كان البرد يتسرسب من النافذة الخلفية لغرفة التلفاز. وكانت أوتوكو تجلس إلى جانب صديق العائلة يتبادلان ملخص السنوات الأخيرة. يسجلان التغيرات والتحولات ويختلقان المصالحات أو يبديان الاعتراضات الأليفة. بالرغم من أنهما ينحدران من المكان ذاته، إلا أنهما لم يلتقيا سوى في مناطق ثالثة. أما ساكامي التي انتقلت حديثاً مع والدها البيولوجي إلى شقة في شارع فاندبرلت، فاستمرت في انشغالها بتجهيز المشاريب: حليب بالقرفة، ومرة شاي بالزنجبيل، أو عصير جزر. هكذا توزع طاقتها المشعة في المكان وتتفادى الجلوس الساكن. وحينما بدأ الصمت يحل للحظات، بادر صديق العائلة بالحديث.

«الضفة الأخرى» للصيني جونغ بياو (زيت على كانفاس ــ 280×600 سنتم ــ 2015)

«هل هذه ريح فبراير تدوي في الخارج محدثة هذا الرنين؟ ولمن تقرع هذه الأجراس؟»
كان الولد في بداية رجولته. التقى بها للمرة الأولى برفقة والدته قبل سنتين من وفاتها. ويبدو أن هذه الحقيقة تضفي غيمة على اللقاء، فلا هو عارف كيف يتحدث مع البنت ولا هو قادر على إهمال الحوار برمته.
ابتسمت أوتوكو وهي تستعد لشرح محيط الضوضاء الذي تعيش فيه. كثيراً ما ظنت أن نومها الخفيف صار جثة هامدة بعد انتقالها إلى المدينة أو لربما نتيجة مواظبتها على التدخين الليلي. كانت قد شكلت خريطة صوتية في دماغها، وتخيلت باباً خشبياً عليه إكليل صناعي ويطل على باحة مهملة، فلم تستبعد احتمال أن تكون هذه الأجراس في بيت مهجور. يقال إن الرنين يطرد الأرواح الشريرة عن البيت، لكن المراد أن يطرد الأجساد قبل الأرواح.
«زينة تافهة على باب أحدهم»
أنصتت بصمت جنائزي لصخب المدينة يمر من خلفها. مصادفة مرور سيارة البوليس وسيارة الإطفاء سوية. الأسئلة المعتادة عن أهمية الصافرة في حالات الجرائم والطوارئ. فكرت في دولوز وكلامه عن الأصوات واحتلال الحيز. عند انعطافة الشارع، ضجة متعاطي الكراك يتجادلون على شكل توائم. صوت جارتها المراهقة محاولة فرض سلطتها على «البيبي» بترديد اسمه بنغمات مريبة. وهنالك المترو من بعيد يهز المدى وتتصادم عرباته بعضها ببعض كما صرير الأسنان حين تبرد بشدة.
التفت نحوها بالجزء الأعلى من جسده ليعرض استنتاجه:
«أظن أنها أجراس الزينة الصينية اللعينة! مزعجة وتافهة»
«نعم الصينية»
«‬على أحدكم مواجهة صاحب بيت الأجراس»
تمهل في حديثه ببعض من الضيق. ما كان عليه أن يقدم اقتراحات غير مناسبة وهو في ضيافة أحدهم. ألقت عليه أوتوكو نظرة مختصرة وهي تقفل شفتيها بتأمل. سيطر عليه الشعور المعتاد بأنه محاور لا يعرف موازنة اندفاعه بما يتناسب والحدث. لم يعد يتوقع ردة فعلها.
‫‬أحد يواجهه لينزل الأجراس ويخليها في طيزه
‫أظن أن الجيران يرون...»
يرون ماذا؟ أن الأمر لا يستدعي العناء؟
فكر في الأمر. التخلص من مصدر إزعاج واحد لن يغير الكثير.
أعتقد أنهم جميعاً كسالى
تلقفت أوتوكو الأكواب من ساكامي التي جاءت تجلس إلى جانبها. ‬ستقوم بلف ما يمكن تدخينه حتى يبرد الشراب كفاية. كانت المدينة تخلو من الأحداث ليلتها. وقد عاد «الغروب» قبل قليل من محل قريب نظم أمسية بعنوان «ارسم واشرب بقدر ما تشاء». يدعى المكان «الخنزير البرجوازي» وهي حانة صغيرة تعطي رفيعي الذوق حقهم في التمتع والإمتاع. وجدت أوتوكو قيمة مجردة في تمثيلات الخنزير ضمن النظام الطبقي. عادة لا يحتاج الواحد إلى ندماء أو رفاق في مثل هذه الأماكن، فجمالياتها تدور وتجول بغاية شغل فراغك. في الحافة اليمنى من الحانة، تقبع مرآة ضخمة بإطار ذهبي ينعكس عليها نيون أحمر. لا تقف المرآة في مواجهة أحد، بل إنها على علو واضح كأن عليك كضيف أن تعرف سلفاً ما يبدو شكلك عليه أمام العامة. وهناك أيضاً معاون الساقية الذي يبدو أليفاً وخاضعاً. كما تجد شباب الطبقة الوسطى ونساء غير شريفات وعشاق السوريالية العلمية أو محبي بورتريهات القطط وغيرهم.
كانت أوتوكو سعيدة بتجاهلها الأجراس الصينية طوال هذه السنين، حتى إنها فسرت هذه القوة في اختلافها الثقافي. فكرت من قبل أن هذا الرنين يدوي في رأسها هي فقط، واستمتعت كثيراً بهذه الفكرة حتى اللحظة. لم تستبعد احتمال لجوء الجيران إلى مستشاريهم النفسيين من أجل حبوب مهدئة. لن يستطيع صوت اختراق سكينتك إلا إذا كنت قد أخضعت نفسك له. كبر الموضوع في رأسها حتى وصل إلى مواضيع مثل قوة الإرادة وقدرة التشافي من كدمات الماضي.
تقدمت ساكامي بظهرها إلى مقدمة القعدة، لتشرح لهم بعض المعلومات عن هذا الشاي الذي وجدته صدفة في قسم الكافينيات. مكتوب أنه يساعد على تبديد الذبذبات الفاسدة من حولك. بدأت تستدعي حكاية حصلت معها في سن العاشرة خلال إجازة عائلية شمال منطقة كيوتو حين قامت بتجربة لتحريك قطعة كريستال باستعمال قوتها الذهنية. كانت قد اشترت القطعة من محل للهدايا في بلدة توقفوا عندها. وكانت القطعة محاطة بسلك جلدي، ما جعل منها تذكاراً من رواية فنتازية سيليق بمنضدتها. شعرت ساكامي بأن الكريستال يتحرك في يدها حين تحدق فيه بما يكفي. سيطر عليها الفضول وتحمست لاحتمال أن تصبح الإجازة غير تافهة.
هذا يعود بنا إلى سيرة الشاي. كانت صديقة لساكامي قد حدثتها عن «القلق الجغرافي»، وهو مزيج من الضبخان وسوء تناغم العناصر. الفكرة أن للأرض ذبذباتها الطبيعية، لكن أشياء مثل المياه الدفينة وأنابيب الصرف الصحي والأنفاق وغيرها من الأخطاء الجيولوجية تؤثر عليها. وحين تتعثر هذه الذبذبات أكثر من اللازم، فإن الواحد تتأثر صحته وتصرفاته. حتى غضب سائقو السيارات والعنف ضد الأطفال وموت الجنين أو الرضيع كلها نتائج جانبية.
ارتدت ساكامي تعبير التعجب على وجهها وهي تحكي:
«هي حياة واحدة علينا اكتشافها. فأي الحيوات ستكون؟ حياة الصغائر، من ذا الذي تعمق لحظة بهذه الأخرى، بتلك؟ أنا عن نفسي كرست شبابي لها. عرفت أنها تستهويني ومن يومها عشت في هذه الذكرى التي لا تفارقني… هذه الحياة الأخرى - وهي من علو وسمو - أدعي بأني وجدتها: فما أن أروح في تقضيتها حتى أشعر بانقباض في جوهري»
* شاعرة وكاتبة عراقية