في السنوات الأخيرة، أسرفت الصحافة الجزائرية الفرنكوفونية في الترويج لكمال داود، الصحافي المثير للجدل، والكاتب باللغة الفرنسية الذي غزت أعماله سوق النشر الفرنسية. وُلد داود في عام 1970 في مستغانم، على بعد ثلاثمائة كيلومتر من الجزائر العاصمة، وهو الولد البكرُ بين إخوته الستة. بدأ حياته المهنية كصحافي مع انضمامه اللافت في عام 1994 إلى صحيفة «وهران» اليومية. يتولّى داود كتابة عمود بعنوان «رأيُنا رأيُكم»، ما ولّد أسطورة المثقّف «النقديّ» صاحب القريحة «اللاذعة»، الذي تحرّر من المحرّمات وراح يندّد بانحطاط مجتمعه الذي تقوّضه التيارات المحافِظة الرجعية والظلامية الدينية.


وبعد تعيينه رئيساً للتحرير، نفث داود في صحيفة معروفة بتوجّهاتها «المحافظة» روح «الحرية» المتجاهلة لكل الحدود والاعتبارات. ومع اكتسابه للخبرة، أتقن بفنّ تذليل الحواجز غير الموجودة أساساً، وبات يقدّم، في مقالاته الاتهامية الغاضبة ضد «التخلف»، صوراً مبتذلة عن أحداث الجزائر والعالم العربي، ويُسمع القارئ الفرنكوفوني كلاماً يعكِس عوارضَ فكر انهزامي خانع. مع ذلك، لا بدّ لنا من أن نعترف لداود، الذي عمل أيضاً كمحرّر في الموقع الإلكتروني Algérie-Focus، بشيء من الموهبة في إعادته الخطاب العنصري إلى المجال اللائق سياسياً (1)، وإقناع عشاق فرنسا الليبراليين، الذين يعيشون في عالمهم الصغير الخاص، برغبته الخلاصية في الإفلات من براثن الإسلام السياسي وفي تحرير المجتمع الجزائري، هذا المجتمع الذي يتّضح مدى جهله به.
كمال داود، المتسلّح بخلفية أكاديمية متينة (درسَ الرياضيات والأدب)، هو دليل حيّ على غياب العلاقة بين الأكاديمي من جهة، والمثقّف الملتزم بتفكيك إيديولوجيا الطبقة الحاكمة من جهة أخرى.
كمال داود بوق للسخط الأحادي الاتجاه. يصرخ معبّراً عن كراهيته للإسلاميين وعن رفضه للمجتمع الذكوري البغيض. هو النموذج الأمثل عن المفكّر المرتزق، صاحب السحنة الداكنة الذي يقف في الخطوط الأمامية في هذه الحرب الأيديولوجية التي تذكّرنا بصدام الحضارات. بهوسه شبه العصابي بالإسلام وتصريحاته التي لا تقبل المساومة، يسعى كمال داود إلى تجاوز آثار وندبات أيام المراهقة، حين كان متأثراً بالإسلام السياسي، إذ يقول «أنا نفسي كنت إمامَ مسجدِ مدرستي الثانوية، وبقيتُ إسلاموياً لمدة ثماني سنوات، بين سنّ الثالثة عشر والعشرين» (2).


قطع علاقته بالإخوان المسلمين في 1990، بعد عامين على مشاركته في تظاهرات مستغانم
حارب داود ميوله تلك وقطع علاقته بجماعة الإخوان المسلمين في عام 1990، بعد عامين على مشاركته في التظاهرات الجماهيرية في مستغانم. وإذ جعل من الكفاح ضد «الإسلاموية» هوايته المفضّلة، أصدر الداعية السّلفي عبد الفتاح حمداش فتوى بحقّه في عام 2014.
وفي العام نفسه، بدأ داود بالكتابة في مجلة «لوبوان» (Le Point) الفرنسية، وعاد ليشنّ حملة شرسة من هذا المنبر على التيار المحافظ و«التعصب» الديني.
كذلك، في كانون الثاني (يناير) 2016، كتب في صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالةً يستنكر فيها البؤس الجنسي في العالم العربي. وإذ وجد نفسَه أمامَ حائطٍ مسدود بعدما ردّت عليه مجموعة من الأكاديميين الذين ندّدوا بالحقائق المشوّهة التي يبثّها بكل ثقة، وبخطابه الذي يسترجع الكليشيهات الجوهرانية، قرّر التوقف عن الكتابة في صحيفة «وهران».
أهو حقد جاهل أو انتهازية مُذنبة؟ هذا التعطّش لنيل رضى الثقافة الفرنسية وإنسانويتها الأسطورية، وهذه الرغبة الجامحة في الانتقال إلى العالمية، يؤديان تلقائياً إلى خيانة المُثل العليا. هو لم يَختر الكتابة باللغة الفرنسية ليسلكَ الطريق الذي رسمه أسلافُه الذين سعوا إلى السيطرة على هذه اللغة المهيمنة في علاقتهم النزاعية معها، بل لأنه رفض اللغة العربية «التي تقيّدها المقدّسات والإيديولوجيات المهيمنة، والتي أصبحت مليئة بالأصنام ومسيّسة ومؤدلجة» (لو فيغارو الأدبي، 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2014).
قد يبدو ذلك مفاجئاً، ولكنّ كمال داود، الكاتب والروائي، لم يكن دائماً خاضعاً لعلاقة الولاء والطاعة المقيتة لقواعد الكتابة السائدة، التي تسعى إلى تعزيز الصور النمطية السائدة حول المجتمع الفرنسي. فردّه الأدبي على رواية «الغريب» (L’Etranger) للكاتب ألبير كامو، في كتابه «ميرسو تحقيق مضاد» Meursault, contre-enquête (البرزخ)، اندرج ضمن حوارٍ نقدي مع الكاتب الفرنسي في مسعى للكشف عن «العربي» الغائب في أعماله أو ذاك الذي بالكاد يُذكر. كان ذلك قبل أن يطهّر نفسه من أيّ التزام في العمل الأدبي. وإذ جعل من الراوي في كتابه أخَ «العربي» الذي قتله «ألبير» ميرسو، وبعد أن بدا في البداية على استعدادٍ لإظهار ازدواجية المعايير لدى كامو وتحليل المعنى الرمزي لروايته، تخلّى داود في نهاية المطاف عن هذا المسعى، وفضّل أن يكتفي بكيل المديح وبالمحاكاةَ العقيمة التي تُفرغ المشروع الأدبي من أي عمق أو بعد سياسي (3)
يبقى مستوى التملّقُ المعيارَ الرئيس الذي تعتمدُه دورُ النشرِ الفرنسية لتقرر ما إذا كانت الروايات التي تصلها تستحق الوصول إلى العالمية. وإذ قرّر داود سلكَ درب الشهرة العالمية، ضمن لنفسِه النجاح من خلال الانصهار في الغرب، فبيعت 250 ألف نسخةٍ من الطبعة الجديدة لـ «ميرسو» (Meursault)، التي ليس فيها سوى المديح والإطراء، وتُوّج نجاح داود بمنحه جائزة «غونكور» (Gongourt) عن الرواية الأولى في عام 2015.
يمتهن عالم النشر الفرنسي جذب الكتاب المرتزقين، عبر استبعاده للمثقفين الملتزمين. هذه الخديعة الفكرية، حاولَ داود تبديدَها في مقابلةٍ نُشرت في صحيفة «لوبوان» في شباط (فبراير) 2017 تحت عنوان «المثقّف الذي يهزّ العالم»، يقول فيها إنّ مواقفه تُعتبر إشكالية لأنه «يرفض أن يقعَ رهينةَ التاريخ الاستعماري، في حين أنّ السردية الوطنية الجزائرية برمّتها منسوجةٌ حول هذا المفهوم». ويضيف: «أنا أهاجم خطابَ فئة معينة من اليساريين: أولئك الذين يريدونني أن أتقمّص دور ضحية الاستعمار وأن أقول إنّ الإسلاموية هي دينُ المظلومين. فليشربوا البحر إذاً! تصريحاتهم المتعالية هذه تستبطن نوعاً من أنواع العنصرية. فهم لا يقيّمونني بناءً على كلامي، بل بناءً على المكان الذي أتحدث منه».
في كتاب Mes Indépendances، صدر في شباط (فبراير) 2017 عن دار «آكت سود»، وهو مجموعة من 182 نصاً (من أصل أكثر من ألفَي نص أنتجها بين عامي 2010 و2016)، يعيد داود نشر أبرز مقالاته وأكثرها إثارةً للجدل في قالب «نقدي». فهو يعيد تدويرَ خطابه عن المجتمع الجزائري الذي ـــ بحسب داود ـــ تربى ونما على الخطاب الثوري، وما زال عالقاً في ماضيه ويرى في أدعياء الإسلام المتحجّر حلاً لمشاكله. سيرته الذاتية، «زبور أو المزامير» (Zabor ou les psaumes)، التي صدرت في أيلول (سبتمبر) الماضي، تكشفُ عن ازدواجية الكاتب الذي يعبّرُ عن حبّه لأرضه، فيما يعجز عن إخفاء ازدرائه لمجتمعٍ لطالما عاش في كنفه من دون أن يندمج فيه. وتتكرّر في كتابه الموضوعات نفسها، من الإحباط الجنسي والعنف الناتج عنه، إلى القيود الدينية والاجتماعية التي تخنق الفكر.
أي مراقبٍ لمسار داود وتكيّفه التدريجي مع متطلبات دور النشر الفرنسية، لا يسعه سوى أن يَخلُص إلى أنّ التملّق هو السبب الأول في نجاحه. لا تعود لامبالاة كمال داود الفكرية إلى الحقد الجاهل، بقدر ما تعود إلى الانتهازية البغيضة التي يرعاها النظام التحريري والإعلامي الفرنسي الرخيص.

1- قدرته المذهلة على إعادة صياغة الترنيمة العتيقة نفسها.
2- «كمال داود: الرجل المتمرّد الذي لا يستطيع أن يلوذ بالصمت»، L’OBS، 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.
3- انظر كوثر هرشي، ليس لدي سوى لغة واحدة وليست لغتي، بوفير Pauvert، 2016