ثمة مراجع عديدة عن مادة كتاب «عدالة المنتصر - من محاكمات نرمبرغ إلى بغداد» (دار «فرزو» البريطانية ــ 2009)، لكن ما اطلعت عليه يتناولها من منظور سياسي أو من منظور حقوقي

معقد.
دانيلو زولو، كاتب هذا المؤلف، هو أستاذ فلسفة وسوسيولوجيا القانون في «جامعة فلورنسا» الإيطالية، وصاحب مؤلفات عديدة في مادة القانون الدولي والحروب. ما يميز هذا الكتاب أنه يتناول المادة بلغة مبسطة، لا تفقدها بلاغتها، توسع من دائرة القراء الذين ليسوا ملزمين بمعرفة المصطلحات القانونية المعقدة، بما يسهل عليهم استيعاب المادة بسهولة وسلاسة. الموضوع هو التنويه إلى وجود مستويين من العدالة، إحداهما عدالة «المنتصر» وأخرى للمهزوم، يفرضها الأول، وإدانة ذلك.

النقاش الفلسفي في الكتاب خصصه المؤلف للحديث في جذور تسويغ الحروب منذ أقدم العصور، بل وشرعنتها، وكذلك تجريمها. هو يرى أن جذر الحروب «العادلة» يكمن في التوراة التي تدعو إلى الحرب المقدسة «ملحمت مصووه». فعند النظر إلى المسألة من منظور تاريخي، استخدم هذا التعريف، وغيره، لتسويغ مختلف الحروب التي يستعرضها الكاتب في مؤلفه.
الكاتب يتناول أيضاً بالبحث النقدي التغير الكبير الذي أدخل إلى التشريع ذي العلاقة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عبر محاكمات نرمبرغ وطوكيو.التغير الذي أدخل إلى التشريع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية
الفرق، يؤكد الكاتب أنه في الماضي الإدانة بالحروب العدوانية كانت توجه إلى دول، وتعاقب بناءً على ذلك، أما في نرمبرغ وطوكيو فقد وجهت إلى أشخاص اتهمهم المنتصر، أي الحلفاء، بارتكاب جرائم وحكم على كثير منهم بالقتل الذي نفذ على الفور.
دانيلو زولو يلفت الانتباه إلى أن قتلة مئات الآلاف من البشر في هيروشيما وناغازاكي وغيرهم، على العكس من قادة ألمانيا النازية واليابان، لم تتم مساءلتهم إطلاقاً. يعود الكاتب في مختلف أجزاء كتابه إلى مختلف أنواع الحروب المعروفة، وبصرف النظر عن مدى صحة الصفة، ومنها الحرب الوقائية والحرب العادلة والحرب الاستباقية والحرب العداونية، ويربط جذورها بمفهوم الحرب المقدسة التوراتي، والذي انتقل بدوره إلى الكنيسة، كما يوجد في الإسلام عبر مفهوم الجهاد؛ يحللها تاريخياً وفكرياً وفلسفياً. في أجزاء أخرى من المؤلف، يناقش البروفسور دانيلو زولو قوانين المحاكم الدولية التي أنشأتها الأمم المتحدة أو استعين بها، ويبين تضارب بعض موادها مع مفهوم العدالة الفلسفي بل وتناقضها معه، إضافة إلى ابتعادها عن الالتزام الكامل بالحياد. فهو يدين من جهة كيفية محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين، ذلك أن المحكمة أنشئت في أراضي دولة محتلة، أي العراق، لا قوانين لها، بما يفقدها الشرعة القانونية، لكنه يتساءل في الوقت نفسه عن سبب قصر التهمة إليه بالعلاقة مع غزو الكويت واحتلاله ولا يناقش مسألة استعمال قواته الغازات السامة ضد القوات الإيرانية، أو حتى شن الحرب عليها، وكذلك مسألة محاربته الكرد في شمال العراق، ويهمل في الوقت نفسه العدوان الأنغلوأميركي على العراق واحتلاله، وجرائم القوات الأميركية في الفلوجة المحتلة حيث استخدمت قنابل النابالم وغيرها.
هنا يوضح الأسباب السياسية لقرارات كهذه بما ينسف من الأساس الادعاء بأن الهدف هو العدالة، ويوضح أنه الانتقام من المهزوم.