تضمّن كتاب ماركس (The Eighteenth Brumaire of Louis Napoleon) أحد أشهر مقالاته «يلاحظ هيغل في مكان ما أنّ جميع الحقائق والشخصيات التاريخية العالمية تتكرّر مرتين. وقد نسي أن يضيف: المرّة الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة». يمكن للمرء أن يرى شيئاً مشابهاً في ما يتعلق بتقديم تقنيات ثورية مثل الكهرباء والنطاق العريض.

يعتبر الأميركيون الكهرباء اليوم من البديهيات، لكنّ هذا لم يكن الحال على الدوام. تتوفر الكهرباء لملايين المنازل في الولايات المتحدة لتشغيل سخّان المياه والإضاءة والتبريد والتلفزيون والهاتف وغيرها من الأجهزة. ومع ذلك يشير أحد التقديرات إلى أنّ نحو 15000 أسرة - 60000 شخص - غير متصلة بشبكة الكهرباء، وغالبيتها تسكن محميات الأميركيين الأصليين (بالإضافة إلى ذلك تفتقر 18 ألف أسرة للمياه الجارية في المنازل).

247

مليون أميركي هو عدد الأميركيين الذين لا تتوافر لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت بسرعات النطاق العريض بحسب تقديرات لجنة الاتصالات الفيدرالية


قطعت الولايات المتحدة الأميركية شوطاً طويلاً منذ 4 أيلول 1882، عندما قام توماس أديسون بتحويل الكهرباء من محطته في شارع بيرل في مانهاتن السفلى للمنازل (التيار المباشر) بسعر الغاز. وبحلول أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أصبح التيار المتردّد من اختراع نيكولا تيسلا، النظام الكهربائي المهيمن مع حصول سكان المدينة من الطبقة العليا والمتوسطة والعملاء التجاريين على الكهرباء. تبع ذلك مجموعة من الاختراعات التي تعمل على الطاقة الكهربائية، من الغسّالة (1907) إلى المكنسة الكهربائية (1908)، وصولاً إلى الثلاجة المنزلية (1912). أدّت كل هذه الاختراعات إلى زيادة الطلب وساعدت في اعتماد الكهرباء على نطاق واسع.
في عام 1900، وفّر البخار 80% من قدرة المحرّك الميكانيكي في التصنيع، لكن بحلول عام 1920 وفّرت الكهرباء أكثر من 50% من هذه القدرة، وبحلول عام 1929 كانت تمثل 78% من استخدام الأميركيين. وفقاً للإحصاء الأميركي عام 1920، أصبحت أميركا لأول مرة في التاريخ أمّة حضرية بغالبيتها - يعيش أكثر من 50% من سكانها في المدن بدلاً من المجتمعات الريفية. وفي العام نفسه وصلت الكهرباء إلى 35% من المنازل الأميركية. بحلول عام 1929 تم تزويد نحو 68% من المنازل الأميركية بالكهرباء. وبحسب إحصاءات الصناعات ، فإنه بحلول عام 1920 استخدمت الكهرباء لأكثر من نصف التصنيع في البلاد.
ومع ذلك ظلّت المقاطعات الريفية، غالباً من دون كهرباء حتى الثلاثينيات. في عام 1910 كانت 6% فقط من المقاطعات الأميركية حضرية، ومن بين نحو 6.3 ملايين مزرعة أميركية في عام 1922 توفّرت الكهرباء في نحو 3% منها فقط.
في تلك الفترة، كانت الزراعة هي المهنة الأكثر شيوعاً وسط الذكور حيث شغّلت أكثر من ثلث (36.7%) الذكور العاملين في البلاد بينما كان التصنيع يمثّل نحو سدس القوة العاملة (15.8%).
إلاّ أنّ وحده الكساد العظيم هو الذي أوصل الكهرباء إلى المناطق الريفية في أميركا. يشير أحد التقارير إلى أنه في عام 1935 «أقلّ من 11 مزرعة أميركية من بين كلّ 100 مزرعة تلقّت خدمة الكهرباء من المحطة المركزية». كانت شركات الكهرباء غير راغبة و/أو غير قادرة على تمديد الأسلاك لمسافات طويلة عبر الأراضي الزراعية والمناطق النائية بأسعار معقولة.
أنشأ الرئيس فرانكلين روزفلت إدارة الكهرباء الريفية (REA) بهدف إمداد المناطق الريفية في أميركا بالكهرباء. ومن أهم سياستها، منح قروض للمنازل (مثل الأسلاك والأجهزة) ومشاريع البناء الكبيرة في آن واحد (مثل محطات الطاقة وخطوط الطاقة). يمكن أن تمتدّ فترة سداد القروض لمدة تصل إلى 25 عاماً مع الإبقاء على سعر الفائدة منخفضاً بربطه بأسعار الاقتراض الحكومي. ولعلّ الأهم من ذلك أنّه لن يتم تحميل الأفراد المسؤولية الشخصية عند التخلّف عن سداد قرض REA.
في عام 1932 روّج روزفلت أثناء ترشّحه للرئاسة، بينما كان لا يزال حاكم نيويورك، لمفهوم راديكالي في ذلك الوقت لتنظيم المرافق العامة:
«إنني على قناعة تامة بأنّ نظاماً سليماً للتنظيم العام يُدار بحكمة، لن يعرّض الاستثمار الحكيم السوّي في المرافق العامة للخطر، بشرط أن تكون الإدارة فعّالة وبنّاءة. في الواقع، يجب أن يرغب المستثمرون في التنظيم الفعّال ويعملوا من أجله».
ساعد هذا التصوّر في إقناع العديد من المسؤولين المحليين وعلى مستوى الدولة أنّه في ما يتعلق بالخدمات الأساسية، التي أصبحت الكهرباء منها، فإنّ المرافق العامة المنظّمة هي الخيار الأفضل.
بدأ العصر الحديث للاتصالات التي تتم بوساطة الكهرباء في عام 1843 باختراع صموئيل مورس للتلغراف. بعد ثلاثة عقود من ذلك، في عام 1876، اخترع ألكسندر غراهام بيل الهاتف وفي العام التالي أسّس شركة «بيل» للهواتف. في عام 1885 تأسّست شركة الهاتف والتلغراف الأميركية (AT&T) كشركة تابعة لشركة Bell Tel لبناء وتشغيل أول شبكة هاتف للمسافات الطويلة. في عام 1899، اشترت AT&T أصول Bell وأصبحت الشركة الأمّ لنظام Bell بأكمله. وبحلول عام 1900 دخل 1.5 مليون هاتف حيز الاستخدام في جميع أنحاء البلاد.

97 % من الأميركيين في المناطق الحضرية لديهم إمكانية الوصول إلى خدمة إنترنت ثابتة وعالية السرعة، لكنّ النسبة تنخفض ​في المناطق الريفية إلى 65% وفي المناطق القبليّة بالكاد يستطيع 60% الوصول إليها، وعموماً لا يمكن لنحو 30 مليون أميركي التنعّم بمزايا العصر الرقمي


كانت شركة AT&T تحتكر تقديم الخدمات الهاتفية للمسافات الطويلة وهيمنت على 23 شركة فرعية حتى عام 1984 حين قُسّمت، بعد تسوية دعوى مكافحة الاحتكار المدنية التابعة لوزارة العدل، إلى سبع شركات تشغيل إقليمية، أُطلق عليها اسم «Baby Bells». احتفظت AT&T بـ Bell Labs، الشركة المصنّعة لمعدات الهاتف Western Electric وخدمة المسافات الطويلة. وحصلت الشركات الإقليمية - شركات تشغيل بيل الإقليمية «RBOCs» - على الصفحات الصفراء بدليل الهاتف والخدمة المحلية إلى أن أعيد هيكلتها رسمياً في عام 1995.
في السبعينيات ظهرت تقنية اتصالات جديدة – الكابل المحوري - تتيح للمشتركين في الضواحي والمجتمعات الريفية إمكانية الوصول بداية إلى البرامج التلفزيونية، ومع الوقت للكثير من برامج البث المباشر. بالتوازي مع اكتمال الكابل، كانت ARPANET (شبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة) تطوّر ما أصبح بحلول منتصف التسعينيات الإنترنت التجاري لـCompuServe و The Source و America Online (AOL) الشهير.
بالعودة إلى ما قبل إمكانات الألياف البصرية الحالية، لم تكن شبكة الإنترنت في مراحلها الأولى مختلفة عن التلغراف القديم. فقد وفّرت خدمة الاتصال الهاتفي بسرعة تصل إلى 2400 Bit في الثانية - فقط 0.0024 ميغابايت في الثانية! سرعات النطاق العريض غير المتماثلة بحسب لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) هي 25 ميغابايت في الثانية لأسفل و3 ميغابايت في الثانية لأعلى. اليوم تقدّم العديد من خدمات النطاق العريض المتطوّرة - الباهظة الثمن - 200 ميغابايت لأسفل.
في عام 2019 أشارت التقديرات إلى أنّ 30% فقط من المنازل في الولايات المتحدة الأميركية لديها إمكانية الوصول إلى خدمات النطاق العريض للألياف مقارنة بالنرويج وكوريا الجنوبية مع أكثر من 80%، وإسبانيا والبرتغال واليابان التي تجاوزت الـ 90%.
قدّرت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) أنه في عام 2019 لم يكن لدى 247 مليون أميركي إمكانية الوصول إلى النطاق العريض. وحذّر جون كاهان، كبير مسؤولي تحليلات البيانات في مايكروسوفت، من أنّ تقديرات لجنة الاتصالات الفيدرالية كانت «أقل من ذلك بكثير» مضيفاً بأنّ بيانات مايكروسوفت تشير إلى أنّ ما يقرب من 162.8 مليون شخص «لا يستخدمون الإنترنت بسرعات النطاق العريض».
وأعرب آخرون عن مخاوف مماثلة لتلك التي عبّر عنها كاهان من شركة مايكروسوفت. كما قدّر المحامي السابق للجنة الاتصالات الفيدرالية جيجي سون أنّ نحو 141 مليون شخص في الولايات المتحدة يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى النطاق العريض الثابت بسرعة 25 ميغابايت في الثانية، وهو معيار النطاق العريض الخاص بلجنة الاتصالات الفيدرالية. ويقدّر تقرير آخر بأنّ «42 مليون أميركي، بما في ذلك ربع سكان الريف، يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى انترنت النطاق العريض - وهذا لا يشمل حتى الأشخاص الذين ليس لديهم النطاق العريض لأنهم لا يستطيعون تحمل أكلافه».
يضيف اثنان من الباحثين الأكاديميين، روبرتو غالاردو (بوردو) وبريان ويتاكري (ولاية أوكلاهوما)، عاملًا آخر تجب مراعاته بحجة أنّ «جودة الخدمة أصبحت أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى [النطاق العريض]... وبالتالي من المهم ألا ينحصر الحوار بالوصول إلى الإنترنت بل يتعداه إلى السؤال «هل توفر لك تكنولوجيا الإنترنت نوعية الخدمة التي تتوقّعها وتحتاج إليها؟».
يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية في ظلّ جائحة Covid-19 المستمرّة والركود الاقتصادي، تواجه حالة مشابهة لتلك التي شهدتها مع انتشار الكهرباء خلال فترة الكساد العظيم. أي حين قدّمت الشركات الخاصة خدمات الكهرباء - وحقّقت أرباحاً هائلة - في الأسواق الحضرية، لكن مع بقاء جيوب كبيرة في المدن الكبرى، خصوصاً موطن المهاجرين الأميركيين والأفارقة والفقراء، غير قادرة على تحمل رفاهية الكهرباء. والوضع كان أسوأ بالنسبة إلى أميركا الريفية.
أفادت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) أنّه يوجد اليوم «الكثير من المناطق التي لم يصل إليها النطاق العريض». بل وأكثر من ذلك تلاحظ اللجنة أنه: في المناطق الحضرية 97% من الأميركيين لديهم إمكانية الوصول إلى الخدمة الثابتة العالية السرعة، لكن تنخفض ​النسبة في المناطق الريفية إلى 65%. وفي المناطق القبليّة بالكاد يستطيع 60% الوصول إليها. عموماً لا يمكن لنحو 30 مليون أميركي التنعّم بمزايا العصر الرقمي.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنّ وتيرة تمديد الألياف من قبل شركتَي «الهاتف» الرائدتين قد تباطأت بشكل ملحوظ. أنهت شركة AT&T بناء شبكة الألياف الخاصة بها لتصل إلى 14 مليون منزل في عام 2019، وتركز شركة Verizon بشكل أساسي على الشبكات اللاسلكية (5G) ويتم تحديد مكان تمديد الألياف الخاصة بما يتناسب مع تسهيل حركة المرور اللاسلكي. غالباً ما تستخدم شركات الكابلات الرائدة - على سبيل المثال، Comcast وCharter / Spectrum - شبكات الألياف المحورية الهجينة (HFC). ونتيجة لذلك، كما يشير أحد التقديرات، فإن حصّة الألياف إلى المنزل ( fiber-to-the-home FTTH) من إجمالي المنازل التي تمت تغطيتها «توقفت عند 23% خلال العام الماضي».
في ما يتعلق بتمديد الألياف، فإن الولايات المتحدة اليوم في وضع مشابه لما كانت عليه الكهرباء عندما اجتاح الكساد العظيم الأمة. لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن يتحرك الكونغرس ولجنة الاتصالات الفيدرالية بسرعة لتمويل بناء شبكات الألياف في الجيوب الحضرية للمناطق الريفية والفقيرة.
وعلى القدر نفسه من الأهمية، هناك أكثر من 300 خدمة محلية للنطاق العريض تعمل في جميع أنحاء البلاد وهي ضرورية لتشجيع التوسع في مثل هذه المرافق العامة. لقد حان الوقت لأن تصبح خدمات اتصالات النطاق العريض التي توفرها الألياف خدمة أساسية كما كانت الكهرباء قبل قرن من الزمن.
نُشر هذا المقال على موقع CounterPunch.org
*كاتب ومؤلف مهتم بالتاريخ الأميركي، السياسات العامة والتكنولجيا

ترجمة ضحى ياسين



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام