يتبنّى المجتمع الدولي الداعم للحكومة اللبنانية منذ فترة طويلة، أسلوباً جديداً لتوجيه المساعدات الرامية لإصلاح البلاد بعد انعدام الثقة المحلية والأجنبية في مؤسّسات الدولة. بعد الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في 4 آب 2020، حَشَدَ المانحون دعمهم للبنان، لكن هذه المرّة في إطار عمل جديد. ما يُسمى (3RF) أو (Recovery, Reform, Reconstruction)، أي التعافي والإصلاح وإعادة الإعمار، يتجاوز المشروطية التقليدية، ويقدّم نموذجاً جديداً للتنسيق المؤسّساتي في تمويل وصرف المساعدات الدولية والإشراف على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

إن إطار 3RF محدود لجهة الوقت والنطاق، كونه برنامجاً مدّته سنتان لمعالجة أزمة انفجار بيروت، لكنّ المجتمع الدولي يعتبره نموذجاً يمكن اعتماده لمقاربة كبرى أزمات لبنان: أزمة مالية واقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة. هذه الأزمة تزامنت مع احتجاجات شعبية مناهضة للحكم بدأت في تشرين الأول 2019، وقد دفعت أكثر من نصف السكان إلى خط الفقر، والقطاع المصرفي إلى حافة الإفلاس، تاركة الحكومة عاجزة. لم تؤدّ جائحة كورونا إلى تفاقم الوضع فحسب، بل قضت أيضاً على ثورة تشرين الواعدة. العامل الأكثر إثارة للقلق في الأزمة هو تجاوب السلطات، إذ فشلت في اتخاذ أي قرار مجدٍ منذ بدايات الأزمة. هذه الحماقة هي نتيجة انهيار النظام السياسي في البلاد الذي تحكمه زمرة فاسدة من رجال الأعمال وأمراء الحرب الذين تحوّلوا إلى زعماء طوائف بعد الحرب الأهلية.
لطالما كان المجتمع الدولي لاعباً سياسياً رئيسياً في لبنان، نظراً إلى اعتماد مؤسّساته الهشّة على المساعدات. إن احتكار المجتمع الدولي لتدفقات رأس المال إلى البلاد يجعل قراراته أكثر حضوراً في المجريات الحالية. بعبارات أبسط، وقع لبنان رهينة النخبة السياسية، بينما يلعب المجتمع الدولي دور المفاوض باستخدام إطار 3RF كتكتيك تفاوضي. بالنظر إلى فشل برامج المساعدات السابقة في إحداث تغيير مستدام في البلاد، هل يمكن أن ينجح إطار 3RF في إنقاذ لبنان من الانهيار التام وتحقيق الإصلاحات المنشودة؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب التدقيق في العنصرين الرئيسيين لإطار 3RF. الأول هو نموذج المشروطية المشابه لبرامج المساعدات السابقة، والآخر هو نموذج مؤسساتي جديد للحوكمة والرقابة.

تاريخ من المشروطية الفاسدة
تُقارب محاولات المجتمع الدولي السابقة لتقديم مساعدات مشروطة إلى لبنان بقدر كبير من الشك، الأمر هو مبرّر على ضوء الإخفاقات السابقة وطبيعة النظام السياسي.
يحافظ زعماء الطوائف في لبنان على أدوارهم من خلال إضفاء الطابع المؤسساتية على العلاقات بين العميل والزبون مع أتباع هذه الطوائف. تعتمد هذه البنية الزبائنية على تقاسم موارد الدولة من خلال آليات التوزيع داخل المؤسسات الرسمية (على سبيل المثال، مجلس الخدمة المدنية). تم تمويل موارد الدولة إلى حدّ كبير من خلال الديون، ومعظمها بالعملات الأجنبية. وبالتالي اعتمد النظام على فرضية أن تدفق رأس المال الأجنبي غير محدود ومستمر. فرضية حظيت بدعم القطاع المالي اللبناني الذي أدار مخطّط بونزي لجذب المستثمرين لإيداع أموالهم في البنوك اللبنانية مقابل أسعار فائدة خيالية. في عام 2019، بلغ حجم الودائع في لبنان نحو 180 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف حجم اقتصاده. ذهب معظم رأس المال هذا إلى تمويل ربط العملة المحلية بالدولار الأميركي التراجعي وغير المستدام، وإلى تمويل التزامات الحكومة بالعملات الأجنبية وتمويل القطاعات الريعية مثل فقاعة العقارات.


عندما صارت فرضية تدفق رأس المال اللامحدود في مواجهة تحديات إخفاقات الاقتصاد الكلي، أعاد المجتمع الدولي إحياء النظام من خلال العديد من مؤتمرات المانحين الدولية. في الآونة الأخيرة، فشلت الحكومة في تنفيذ أي من وعودها الإصلاحية لإطلاق 11 مليار دولار أميركي تعهّدت بها الجهات المانحة في مؤتمر باريس 4 (سيدر) الذي عُقد في عام 2018. ونتيجة لذلك، لم يتم صرف أي تمويل. هذا على نقيض ما حدث في الماضي، عندما تم التعهد بتمويل المساعدات في مؤتمرات باريس 1 (2001) ، وباريس 2 (2002) وباريس 3 (2007) حتى عندما فشلت الحكومات المتعاقبة في الوفاء بالتزاماتها. في الواقع، تم تنفيذ أقل من ربع التعهدات التي قدمتها الحكومة اللبنانية في مؤتمر باريس 3، بينما صُرف أكثر من نصف المساعدات المرصودة.
أسباب صرف المساعدات في المقام الأول ذات شقين؛
أولاً، استخدمت الحكومة اللبنانية تكتيكات مخادعة مثل الإبلاغ الخاطئ عن تقدّم أحرزته في الإصلاحات وتمرير قوانين لا معنى لها، ووصفها بأنها تدابير إصلاحية.
ثانياً، كان لبعض المانحين الكبار مصالح مشتركة مع شخصيات بارزة في الطبقة السياسية، مثل رئيس الوزراء الأسبق والملياردير رفيق الحريري، وبعد اغتياله، نجله سعد، الذي أصبح أيضاً رئيساً للوزراء.

قنوات جديدة للتوزيع الزبائني
الآن بعدما أصبحت الحكومة عاجزة، تعطّل التوزيع الزبائني من خلال القنوات المؤسّساتية، ما أجبر الأحزاب التقليدية على استخدام قنوات غير رسمية (أقل فعالية). وانتقلت الأحزاب من تقديم وظائف وتصاريح الخدمة المدنية إلى تقديم سلل غذائية ووقود للتدفئة. تعتبر النخبة السياسية إطار 3RF فرصة جديدة لتحظى بالزخم مجدداً وتستعيد بعض الهياكل الزبائنية الأساسية.
يُعد قرض البنك الدولي الجديد بقيمة 246 مليون دولار لدعم الفقراء، والذي تم الاتفاق عليه في كانون الثاني 2021، مثالاً واضحاً عن الكيفية التي يخاطر بها إطار 3RF لمواجهة المصير نفسه لأسلافه. القرض سيمنح النخبة استراحة وسط الضغط الشعبي الحالي. سيتم استخدام قرض دعم الفقراء كأداة لإعادة شراء دعم الأسر الضعيفة في الدوائر الانتخابية لمختلف الأحزاب التقليدية. هذه الأداة فعلياً لم تكلّف الحكومة اللبنانية أي ثمن سياسي، بحيث لم تتم الاستفادة منها للمطالبة بتنفيذ إجراء إصلاح واحد. تسارع الحكومة والبرلمان لتمرير مشروع قانون القرض رغم المأزق السياسي الحالي.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الحكومة اللبنانية هي التي حدّدت شروط القرض. وقد اشترطت صرفه للمستفيدين بالليرة اللبنانية بمعدل يقلّ بنحو 30% عن السعر الفعلي. وسيتم إيداع القرض بالعملة الصعبة في البنك المركزي، الذي يخضع محافظه حالياً للتحقيق في سويسرا بتهمة الاختلاس.

التنسيق المؤسّساتي ليس الجانب المشرق لإطار 3RF
يعزّز النموذج المؤسّساتي الجديد لإطار 3RF دور منظمات المجتمع المدني، والتي سيتم اختيارها لتشكيل هيئة رقابة مستقلة ويتم تمثيلها في المجموعة الاستشارية 3RF (موضح في الرسم البياني). سوف تلعب هذه المنظمات دور الرقيب، وتضمن التنفيذ السليم للبرنامج. ومع ذلك، من غير المرجح أن يحقق هذا التنسيق النتيجة المرجوّة منه بجعل إطار 3RF العنصر المغيّر.
التنسيق بين منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجماعات السياسية الناشئة ضروري لخلق أجندة محليّة مشتركة على أساس السياق الوطني وهذا يجب أن يكون مستقلاً عن برامج المانحين


غالباً ما يُحتفى بالمجتمع المدني في لبنان كونه نابضاً بالحياة، حيث يشهد القطاع توسعاً كبيراً خلال فترة ما بعد الحرب. ومع ذلك، فإن هذا مؤشر واضح على ضعف الدولة، التي غالباً ما تلقي عبء التنمية والبرمجة الاجتماعية على عاتق المجتمع المدني. الأمر الذي يشير أيضاً إلى التشرذم داخل القطاع بسبب محدودية التعاون وزيادة المنافسة، ما يعيق تأثير سياسة المنظمات. علاوة على ذلك، يعتمد القطاع بشكل كبير على المانحين بسبب نقص الدعم الحكومي العام، ما يؤثّر على أجندته وبرامجه وقدرته على تحدي اتجاه المانحين. هذه التبعية تجعل من غير المحتمل أن يتمكن المجتمع المدني من تغيير الآراء بشأن القرارات الكبيرة داخل الهيكل المؤسساتي لإطار 3RF.
بالإضافة إلى ذلك، من غير المرجّح أن يكون إضفاء الطابع المؤسساتي على دور رقيب المجتمع المدني حافزاً للنخبة السياسية لتحقيق تنفيذ أفضل لأن هذه المجموعات غير سياسية ولا تمثل دائرة انتخابية.

الحاجة إلى مقاربة جديدة
إن اقتراح المقاربة الصحيحة لمأزق لبنان الحالي أمر معقّد ويتجاوز نطاق المادة الواحدة. ومع ذلك، يمكن ذكر بعض النقاط العامة في هذا الصدد.
يجب على المجتمع الدولي الاستفادة من النفوذ السياسي الذي يتمتع به حالياً في لبنان. في حين أنه من غير المرغوب فيه أن يكون للجهات الأجنبية دور قيادي في تحديد المصير السياسي للبلد بسبب مخاوف تتعلّق بالسيادة، يجب على المجتمع الدولي أن يبذل جهوداً جبّارة لجعل عملية صنع القرار في لبنان تشاركية قدر الإمكان وأن يأخذ في الاعتبار آراء الجماعات السياسية الناشئة فضلاً عن منظمات المجتمع الدولي.
علاوة على ذلك، نظراً إلى أن مشكلة لبنان الجذرية هي مشكلة سياسية، يجب على المجتمع الدولي استخدام نفوذه لإعطاء الأولوية لتنفيذ الإصلاحات التي تساهم في إعادة دمج الناس في الدولة وبعيداً عن المحاصصات الطائفية. فقط من خلال الإصلاحات، مثل استقلال القضاء والتوفير الشامل للخدمات الأساسية، يمكن للبنان التحرك نحو التغيير السياسي المستدام.
أخيراً، يجب أن تقود منظمات المجتمع المدني مساعيَ جادّة لتوحيد نفسها تحت مظلّة مشتركة من أجل اكتساب ثقل سياسي ومناصرة القضية المشتركة لإصلاح اقتصادي وسياسي واجتماعي في لبنان. التنسيق بين منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجماعات السياسية الناشئة ضروري لخلق أجندة محليّة مشتركة على أساس السياق الوطني وهذا يجب أن يكون مستقلاً عن برامج المانحين. لمرّة واحدة، يجب أن تتخطّى هذه الجبهة الموحّدة دور الرقيب إلى دور صانعي القرار الفعليين الذين يمكنهم المساهمة في عملية صناعة السياسة.

* باحث سياسي واقتصادي
- نُشر هذا المقال على موقع blogs.eui.eu في 15 شباط 2021
(ترجمة: ضحى ياسين)

تابع حساب «رأس المال» على إنستغرام هنا
اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا