قيل الكثير عن القطاع المصرفي الأوروبي، المتعثّر منذ بداية العقد الماضي. في تشرين الأول الماضي، على سبيل المثال، قال صندوق النقد الدولي إن مصارفَ حول العالم، تفوق قيمة أصولها 12 تريليون دولار ستظلّ في وضعية ماليّة هشّة، حتى لو حصل تعافٍ على مستوى الاقتصاد العالمي. من هذه الأصول، تعود 8.5 تريليون دولار إلى مدينين أوروبيين، الأمر الذي يوضح كمّ التحديات التي تواجهها مصارف القارّة. يتم انتقاد القطاع المصرفي الأوروبي باعتباره «أكبر من اللازم»، وفيه عدد كبير جداً من اللاعبين، ما يجعل من الصعب عليه أن يستمر في تحقيق الربحية وأن يحظى برسملةٍ كافية. يمكن تفسير حالة المصارف الأوروبية عبر عوامل خارجية، مثل معدلات الفائدة المنخفضة وضعف النمو الاقتصادي، ولكن هذه العوامل لا تشرح لماذا يظلّ عدد كبيرٌ من مؤسّسات التسليف في العمل، رغم أنهم يعانون من ديون متزايدة وأصول تتقلّص، ولم تعد لديهم القدرة على تقديم القروض.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تحوّلت أوروبا إلى أكبر حاضنٍ في العالم لهذه المؤسسات المتعثرة. تُسمّى «المصارف الزومبي»، وهي لم يكن لها أن تستمر في العمل لولا الدعم المضمون الذي تقدّمه لها حكوماتها. في كثيرٍ من الحالات يكون المصرف وغالبية زبائنه المستدينين في حالة تعسّر وإفلاس، ما يعني أنه من غير المرجّح أن تقوم هذه المصارف، يوماً، باستعادة القروض التي أصدرتها. لهذا السبب تحمل «المصارف الزومبي» دائماً، معدّلات فائقة من الأصول المتعثّرة في بيانات موازناتها. وهي تقوم عادة بتسديد ديونها عبر قروض حكومية، ولكن من المستبعد للغاية أن تكون هذه المصارف في موقعٍ يسمح لها بتقديم قروض جديدة. باعتبار أن قيمتها الاقتصادية تقلّ عن الصفر، لا يمكن اعتبار مثل هذه المصارف «على قيد الحياة»، ولكن لأنها تستمر في العمل عبر تغذية «الحبل السرّي» الذي تقدّمه الحكومة، ولأنها تستمر في استقبال الودائع، لا يمكن من جهةٍ أخرى اعتبارها «ميتة». من هنا أُطلق تعبير «زومبي» على مثل هذه المؤسسات.
من جهة التأثير المديد الذي تسبّبه هذه الحالة على دولةٍ معينة، يمكن أن ننظر إلى اليابان التي عرفت تجربة مرعبة للغاية مع «المصارف الزومبي». منذ بداية التسعينيات، دفع انهيار في أسواق الأسهم والعقارات بعددٍ كبيرٍ من مؤسّسات الإقراض اليابانية إلى الإفلاس. بدلاً من السماح لها بالموت، قرّرت الحكومة اليابانية أن تُبقي هذه المصارف عاملةً عبر إنقاذها مالياً وتقديم ضمانات. كنتيجةٍ لذلك، استمرت هذه المصارف في استيعاب الودائع من زبائنها، ولكنها – وهنا المهم في الموضوع – توقفت عن استخدام هذه الودائع من أجل إقراض مدينين جدد. استمرّت المصارف بدعم زبائنها المترنّحين – الذين عُرفوا أيضاً باسم الشركات الزومبي – عبر إلغاء أو خفض ديونهم المتعثّرة. رغم متاعبها الخاصة، قامت هذه المصارف، في بعض الحالات، بالاستمرار في مدّ المدينين الزومبي المتعثّرين من أجل أن لا يتّضح حجم خسائرها الكامل. باعتبار أن المصارف والشركات الزومبي في اليابان لا تضخّ شيئاً في الاقتصاد، فهي شكّلت عبئاً أثّر على نمو الناتج الوطني، ما أَنتج ما أصبح معروفاً باسم «العقد الضائع» اقتصادياً في اليابان.
في الواقع، كان النمو المتسارع للشركات الزومبي المذكورة أعلاه هو ما أدى إلى خلق المصارف الزومبي. حين تراكم شركة على نفسها عبئاً ساحقاً من الديون ولا تقدر على تسديد قرضٍ مصرفي، لا يعود في وسعها – إن أرادت تخفيف حدّة الأزمة – غير أن تقنع المصارف بزيادة خطها الائتماني ـــ عبر تقديم المزيد من التمويل أو/و تأجيل موعد السداد. لو قرّر المصرف أن يطلب تسديد القرض ودفع الزبون نحو الإفلاس، فإنّ ذلك سيسبّب موجة من الإفلاسات المشابهة لدى باقي الزبائن المتعثّرين. بدلاً من ذلك، تبقي المصارف على هذه «الزومبيات» في «غرفة إنعاش» عبر تمديد خطوطها الائتمانية لمنعها من الموت. كنتيجة لذلك، تضطر المصارف التي تحمل عدداً متزايداً من القروض غير المنتجة لأن تطلب الدعم المالي من الحكومة.
تعدّ إيطاليا من أوضح الأمثلة في أوروبا عن ظاهرة المصارف الزومبي. الدائنون الإيطاليون، وهم يجلسون على 360 مليار يورو من القروض السيئة، رضخوا لحقيقة أن غالبية هذه القروض لن يتم تسديدها أبداً، بسبب إفلاس المدينين. على مدى سنوات عدّة، تراجعت قيمة أسهم المصارف الإيطالية حين أضحى واضحاً أنها ستضطر إلى شطب قروض بمليارات الدولارات. هذه المؤسسات الدائنة تضمّ مصارف مثل «بانكا مونتي دي باشي دي سينّا»، أقدم مصرفٍ في العالم، وهي اليوم أصبحت تُعدّ في مقام الزومبي لأنها لا تقدر على شطب ديونٍ قدمتها إلى زبائن مفلسين حتى لا تُجبر على زيادة رسملتها كما تطلب القواعد التنظيمية.
يمكن مصارف الزومبي أيضاً أن تكون قاطرةً للفساد المالي الواسع، وهذا ما تشهد له تجربة دول مثل أوكرانيا. خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة في البلد، تبيّن أن الكثير من المصارف الأوكرانية تملك القليل جداً من الأصول وأنها لا تقرض أحداً. كان دورها ببساطة هو أن تُستخدم لتحويل الودائع إلى حسابات خارجية، وفي الغالب كان ذلك يتم لأهداف تتعلق بغسيل الأموال. لقد بدأ المصرف المركزي الأوكراني بـ«إبادة» هذا الزومبي بوتيرة متسارعة. في المقابل، تساعد هذه الإصلاحات في تثبيت القطاع المصرفي الأوكراني الذي كان هشّاً. منذ عام 2014، قام المصرف المركزي بإقفال أكثر من 80 مصرفاً من هذا النوع، وهو ما يساعد أوكرانيا على الخروج من ركودٍ قلّص ناتجها القومي بنحو 17% خلال العامين الماضيين.
يقول بعض المحلّلين إن مرض اليابان بالمؤسّسات الزومبي خلال الـ25 سنة الماضية قد يشبه ما سيحصل في الصين في السنوات القادمة. مع تباطؤ النموّ الاقتصادي وتراكم القروض السيئة في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قد يصبح لزاماً على الشركات الزومبي المريضة أن تعتمد على المزيد من القروض فيما يبدأ الركود الاقتصادي. يوجد أصلاً الكثير من شركات الزومبي في قطاعات مثل الفولاذ والفحم، وهذا ينطبق أيضاً على الشركات المملوكة من الدولة. أحد الأسباب القليلة التي تمنع طفرةً مرعبة من الإفلاسات بين الشركات المملوكة من الدولة – وفي الديون التي لا يتم تحصيلها من قِبل المصارف المملوكة من الدولة – هو أن هذا الدين يتم ضمانه عبر الدولة. الأمر المشجّع هو أن الحكومة قد وعدت بقتل 345 شركة زومبي بحلول 2020، ولكن لا يبدو أن هذا سيكون كافياً. لأن زبائن المصارف لا تسدّد ديونها، فالمصارف تحتاج بشكلٍ متزايد إلى التمويل والسيولة، ولأن القروض المصرفية تشكّل ثلاثة أرباع قطاع التمويل في البلد – إضافة إلى التباينات الكبيرة في القيمة الفعلية للقروض السيئة التي راكمتها المصارف الصينية – فإن نتائج هذا الوضع على النموّ المستقبلي في الصين قد تكون عميقة.
قد يكون أفضل طريقٍ لبلد أو لإقليم لمحاربة نمو المصارف الزومبي هو نموذج الولايات المتحدة. إثر الأزمة المالية العالمية، فرضت أميركا شروط ملاءة قاسية على دائنيها الذين يواجهون صعوبات، كما فرضت رفع رساميل المصارف المتعثّرة. بدأت المصارف بإعادة الرسملة: قاموا ببيع الكثير من أصولها ذات النوعية المنخفضة. بهذه الطريقة أصبحت المصارف الأميركية في حالة صحيّة أكثر بكثير من نظرائها في أوروبا التي استمرت الحكومات بإنقاذها، واستمرت بمراكمة الديون ورفض التسليف. فشلت اليابان أيضاً في تعلّم الدروس الصعبة من تاريخها الاقتصادي القريب، فحزمات الإنقاذ التي تمدّها المصارف والحكومة تستمرّ بالتواتر لضمان استمرار الزبائن الزومبي. من هنا، قد يكون ضرورياً فرض شروط رسملة أشدّ قسوة إن أرادت أوروبا النجاة من مرحلة ركود طويلة كما جرى في اليابان، ولو شاءت الصين، بالمثل، أن تتجنب المشاكل التي أصابت اليابان في التسعينيات والتي تستمر في الإثقال على البلد حتى اليوم.

* نشر في انترناشيونال بانكر، كانون الثاني 2017