بين تباطؤ النموّ العالمي ومؤشّرات ماكرو-اقتصادية محلّية قويّة (باستثناء manufacturiers) هناك مساحة تغذّي فرضية العاصفة. وما زاد الشكوك هو عودة السياسات النقدية والتحفيز الكمّي من جديد. بعض المحلّلين اعتبر أن هذا التباطؤ مرده إلى الحرب التجارية بين الصين والولايات المتّحدة أو إلى حرب العملات... لكن في الحقيقة، وفي تحليل بسيط للبيانات، يظهر أن التباطؤ مردّه إلى عدّة أسباب رئيسة مغايرة، هي:

• تباطؤ الطلب الداخلي في الصين:
يأتي تباطؤ التجارة العالمية، وكذلك النموّ العالمي، من ضعف الطلب الداخلي في الصين (أي الاستيراد) بالدرجة الأولى، وليس من الحروب التجارية أو حروب العملات، كما ذُكِر. هذا الضعف في الطلب الداخلي مرده إلى الصعوبات التي تعتري التحوّل نحو نموذج جديد للنموّ الداخلي الصيني، الذي انخفضت مساهمته بنسبة 1.4 نقطة في التجارة الدولية هذه السنة. فأثر الحرب التجارية لا يزال صغير الحجم (70 مليار دولار رسوم جمركية)، أي 0.11% من الناتج العالمي. وهذه النسبة ضعيفة جدّاً للتأثير على التجارة الدولية. أمّا حرب العملات فلا وجود لها أصلاً، إذ إن قواعد تحديد أسعار الصرف أصبحت تخضع لضوابط تقيّد تحرّكاتها ضمن أُطر معرّفة مسبقاً وباتفاق ضمني بين السلطات النقدية العالمية. وهذا ما عبّر عنه بوضوح وزير المال البرازيلي بالقول «إن حرب العملات ما هو إلّا تغيّر مؤقّت في سياسات المصارف المركزية في إطار جوّ من التعاون الهيكلي في أسواق الصرف» (بلومبرغ أيلول/ سبتمبر 2015). أضف إلى أن دولاً كالصين مثلاً، تحتفظ بمخزون هائل من العملات الأجنبية، يتخطّى 43% من الاحتياطي العالمي من الدولار، ولا تستطيع التصرّف به خشية من أن يؤدّي بيعه إلى ارتفاع تلقائي في قيمة عملتها المحلّية. مثال آخر هو الإرادة السياسية المُستترة والمتحكّمة في التوزيع المتوازن للأسواق بين عملتي أكبر اقتصادين عالميين هما أميركا والصين. وفي عملية حسابية بسيطة، نرى أن الدولتين مجتمعتين تمثّلان نحو 40% من الناتج الإجمالي العالمي مقسّمة بشكل متساو على أساس القوة الشرائية لكل من العملتين. هكذا تنتفي العوامل التي نراها أمامنا كأسباب لضعف النمو وما هي إلا عشوائيات تخبئ وراءها ترتيباً خفياً.

أنجل بوليغان ــ المكسيك


• نسبة العمالة الكاملة في دول OCDE:
في الولايات المتّحدة، وأوروبا واليابان، لا تزال نسبة البطالة ضعيفة جدّاً، وهي لامست حدود العمالة القصوى في بعض البلدان (taux de chômage structurel). وعموماً، كما هو متعارف عليه أنه في حدود العمالة الكاملة، يبدأ النموّ بالتباطؤ.
• الصعوبات التي تعاني منها الدول الصاعدة:
إضافة إلى مشاكل الصين الداخلية، هناك دول كالأرجنتين وتركيا وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والبرازيل... تعاني من صعوبات جمّة من ارتفاع نسب التضخّم وأسعار الفائدة وركود في القطاع الصناعي...، وكلّها عوامل أدّت إلى انخفاض مساهمة هذه الدول في حجم التجارة والنموّ العالمي بنسبة 0.4% خلال السنة الأخيرة.
منذ عام 2000، كانت الدول الصاعدة تحقّق نموّاً تصاعدياً وسريعاً، وأصبحت في فترة وجيزة تشارك الدول المتطوّرة مناصفة في ديناميكية الناتج العالمي. وهذا يعتبر بحدّ ذاته تغييراً جذرياً في ديناميكية المنافسة على الصعيد العالمي، التي من خلاله بدأت دول OCDE تخسر من موقعها التجاري والتنافسي، ما دفع بعضها إلى الإعلان عن اتباع سياسات حمائية وانطوائية (بريطانيا والولايات المتّحدة). لكن هذا الاتجاه لم يستقرّ بعد، إذ إن الصين لا تملك إلى الآن مقوّمات تنمية مركّزة ومستدامة يعتمد نموّها على الطلب الداخلي أكثر ممّا هو عليه اليوم. كذلك الهند وتركيا والدول السالفة الذكر، لا تزال تعاني من اضطرابات في منهجيّتها الاقتصادية، ما يؤدّي إلى إدخال عامل جديد من عدم الاستقرار على التجارة الدولية.

في المخاطر المحدقة
إن الاستمرار في السياسات المالية والنقدية التوسّعية في دول OCDE، وعلى الرغم من العمالة الكاملة والنموّ المقبول، يشكّل تهديداً حقيقياً جدّياً وخطيراً على اقتصاداتها في الفترة المقبلة لأسباب عديدة، منها:
• فقدان هامش المناورة والتحرّك في حالات الركود المتوقّعة والأزمات الحادّة.
إن الاستخدام الآني لسياسات اقتصادية عديدة لتحفيز الطلب الداخلي (مثلاً الولايات المتّحدة)، أدى مع الوقت إلى فقدان هوامش التدخّل لكبح جماح الأزمات. كانت سياسة «الفيدرالي الأميركي» تقوم على رفع أسعار الفائدة تدريجياً خلال العامين المقبلين لتلامس متوسّط أسعار الفائدة الطويلة الأجل، والمُقدّرة بـ3%، ولتبلغ نطاقها المستهدف المُدار (administré) ضمن حدود 3.25% و3.5%. عند هذه الحدود، يكون «الفدرالي» بمأمن من معدّلات التضخّم السريعة، ويكون أيضاً قد كسب هامشاً مهمّاً للتدخّل في الأسواق لتصحيح الاختلالات التي قد تحدث وتضرّ بالاقتصاد. ولكن، نتيجة ضغوطات الرئيس ترامب والأسواق، بدأ بالتفكير في تخفيض أسعار الفائدة، وبالتالي بدأ بالتنازل عن آخر أداة للتدخّل في الأسواق. الخطأ الجسيم في السياسات الاقتصادية الحالية هو أنها ركّزت كثيراً على التضخّم والنموّ، بدل التركيز على alternance dans les dispositifs économiques أي الأدوات الاقتصادية المحفّزة. وهذا ما جعلها تقع في فخّ السيولة المستدامة. وهذا الأخير مزعج جدّاً، لأن إغراق الأسواق في السيولة المجّانية يؤدّي مع الوقت إلى خطر الخروج عن المسارات الاقتصادية الصحيحة، وهذا ما حدث فعلياً في إسبانيا في القرن الـ16، وفي ألمانيا في القرن الـ20.
أدّى التدفّق النقدي إلى اضطراب عميق في الاقتصاد، وذلك بتفضيل الأجل القصير على الطويل، الأمر الذي أدّى إلى إفقار الشعب.
• فقدان الملاءة المالية نتيجة الاستدانة الهائلة وارتفاع déficit publique إلى مستويات غير مدعومة.
• فقّاعة أسواق المال، التي ظهرت في أسواق الأسهم العالمية، وبدأت تنذر بمشكلة حقيقية على الأمد القصير.
• الاستخدام غير الفعّال للادخار الموجّه نحو الاستثمار العام.
• اتساع الفجوة الاجتماعية.

في التضخّم وخطر ارتفاع أسعار النفط
إن سيناريو ارتفاع أسعار النفط بحدّ ذاته يشكّل خطراً جدّياً على سياسية «الفدرالي الأميركي» القائمة على إحداث التوازن وتصحيح الخلل بين السياسات الاقتصادية. كان «الفدرالي» يهدف من خلال سياسته إلى كسب هامش مناورة للتدخّل في الأسواق في حالة الصدمات بتمركز أسعار الفائدة فوق معدّلها الوسطي الطويل الأجل 3%، وفوق معدّل التضخّم الحالي. أمّا وبعد اللجوء من جديد إلى سياسة خفض أسعار الفائدة بعدما استشعر بعض مخاطر الركود والتباطؤ في النموّ، فإن ارتفاع مستدام في أسعار النفط (كما حدث بالأمس، وإذا ما تبيّن توقّف أرامكو عن تزويد الأسواق لأشهر)، من شأنه أن يؤدّي إلى ارتفاع في الأسعار ومن ثمّ في معدّلات التضخّم، الأمر الذي يدفع المصرف المركزي إلى التدخّل برفع أسعار الفائدة، بعد تخفيضها، وبوتيرة أسرع من المتوقّع. فيدخل في دوّامة مضطربة في ملاحقة أسعار التضخّم، الأمر الذي يدفع بأسعار الفائدة إلى مستويات قياسية. عند هذا الاضطراب، تسود الضبابية حول السياسات الاقتصادية وتغيب الرؤية عن النموّ فتحدث الصدمة. ومن نتائجها، تدهور سريع في أسواق المال، نظراً إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار وخدمته، فينخفض حجم الأعمال وكذلك الربحية. أمّا الحكومات، فإن ارتفاع تكاليف الاستدانة من شأنه أن يهدّد مسار السياسات الاقتصادية المتبعة من مالية وضريبية، الأمر الذي يؤدّي إلى تهديد النشاط الاقتصادي والنموّ. أمّا بالنسبة إلى الدول النامية، فحدّث ولا حرج، لأن النتائج يمكن أن تكون كارثية بحيث تهدّد غالبية اقتصادات دول هذه المجموعة.
إذن، إن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يكون عاملاً مهدّداً للسياسات الاقتصادية الأميركية والنموّ العالمي ككلّ، إذا استمر في الصعود. ولكن هل تسمح الإدارة الأميركية بصعود أسعار النفط إلى المستويات التي تهدّد نموّها ونموّ الدول الصناعية؟ تملك الولايات المتّحدة أدوات عديدة تمكّنها من كبح ارتفاع الأسعار على المديين القصير والبعيد. فمثلاً، تستطيع رفع إنتاجها من النفط الصخري بشكل سريع، ما يُحدّ من ارتفاع الأسعار. عامل آخر غير مباشر يسهم في كبح جموح الأسعار، ألا وهو سعر الدولار. هكذا، من الصعوبة بمكان تخيّل أن تسمح الولايات المتّحدة لأي سيناريو بالظهور إذا كان يهدّد المسار الرئيسي للاقتصاد الأميركي على المدى المنظور.

في العوامل المسبّبة للأزمة
تتعقّد الأمور أكثر عندما نتجه في البحث عن الأسباب الموجبة التي تندلع منها الأزمة المقبلة. لأنه في التاريخ الحديث للبلدان المتقدّمة، هناك سببان لانخفاض ملحوظ في الإنتاج (الركود)، الأوّل هو التضخّم، والثاني هو الأزمة المالية (الفقّاعات). وليس هناك ما هو واضح اليوم.
• في التضخّم
منذ أزمة 2008، تكافح المصارف المركزية لتحفيز التضخّم ومن خلفه النموّ للوصول إلى نسبة 2%. على الرغم من وصول البطالة إلى أدنى مستوياتها، وصعود أسعار الفائدة إلى 2.5%، لا يزال التضخّم مستقرّاً عند أقل من 2%. ولكي يسهم التضخّم في كسر حدّة النموّ، يجب أن يكون ارتفاع الأسعار بأضعاف ما شهدناه في الفترة السابقة. وهذا ليس هو الحال اليوم. إلّا إذا حدثت مفاجأة كالأمس (ضرب منشآت أرامكو) وصعود أسعار النفط (بمتوسّط 13% تقريباً). من المستبعد أن يستمرّ هذا الصعود ليشكّل ضعفي أو ثلاثة أضعاف الأسعار الأساسية، لأسباب عديدة، منها: أن الظروف تغيّرت عمّا كانت عليه في الماضي من ناحية الإنتاج. فتبدّلت الأدوار، وأصبحت الولايات المتّحدة المنتج الأوّل للنفط، وتستطيع تعديل الإنتاج لتقليل الخسائر. لو حدث هذا الهجوم منذ 15 سنة، لكان أحدث زلزالاً في أسواق النفط، ولأدّى إلى أزمة اقتصادية عالمية. على أي حال، إن الأسعار بقيت بعيدة من أعلى مستوياتها الأخيرة المُسجّلة في 2018. وبالتالي لا يوجد خطر آني.
حتى الآن، يبقى الارتفاع مقبولاً، والأهمّ أنه ليس مستداماً لكي يؤثّر على التضخّم ومن ثمّ على السيناريو الاقتصادي القائم. فإذا استمرّت الأسعار على ما هي عليه الآن، فسيكون التأثير على التضخّم محدوداً. وبالتالي يكون لدينا تعديل محدود للأسعار يمكن للاقتصاد أن يتقبّله. أمّا إذا زادت الضغوط على أسعار النفط وارتفعت بشكل سريع لسبب أو لآخر، عندها ستتأثّر ديناميكية السوق ومن ثمّ الركود. وحتّى هذا السيناريو مستبعد في الفترة الحالية لانتفاء المصلحة لكل اللاعبين الاقتصاديين على الساحة الدولية. الوضع الحالي لا يشبه أزمة 73/74، ونحن بعيدون عنها، وبالتالي إن ارتفاع أسعار النفط ليس السيناريو الأكثر احتمالاً لتهديد الاقتصاد العالمي في المدى المنظور.
• في الفقّاعة
إن انتفاء السبب الأوّل للركود، يدفعنا إلى التفتيش عن السبب الآخر، أي الفقّاعة، وهو سبب الأزمات خلال العقدين الأخيرين، ولا سيّما في عام 2000 (فقّاعة الإنترنت) وعام 2008 (الفقّاعة العقارية)، ولهذا السبب يبحث الكثيرون عن الفقّاعة المقبلة.
عملت البنوك المركزية جاهدة خلال السنوات العشر الأخيرة، وبشتّى الوسائل التقليدية وغير التقليدية، على خفض عوائد السندات لتحفيز اقتصاداتها. إن تدخّل السلطات النقدية على فترة طويلة أسهم بشكل فعّال ومستدام في هدم النظام الوظيفي للمعلومات الذي على أساسه يقيّم المستثمرون حدود تدخّلاتهم في الأسواق. فالسعر يعكس المعلومة المتوافرة آنياً في الأسواق، والتي تعتبر مدماك النظام الحرّ وترتكز عليها ميكانيكية تحديد الأسعار. هذا التدخّل الطويل الأجل يسهم في إدخال عوامل مؤثّرة وجديدة على هيكلية السوق تؤدّي مع الوقت إلى بروز ظواهر، كخلق فقّاعات مضاربية، وسوء تقييم الخطر والربحية. بل أخطر من ذلك، إن الأسواق أصبحت مدمنة على السيولة التي توفّرها هذه السياسات، ما أفقدها رشادتها.
تهبط الأسواق بشكل حادّ لمجرّد فكرة رفع معدّل الفائدة، خشية هجرة السيولة أسواق المال. وعندما ترتفع أسعار الفائدة ترتفع معها المؤشّرات المالية بعكس المتوقّع. إن استخدام المُسكِّنات الظرفية تنتهي مفاعيلها بانتهاء مفعولها، والإدمان عليها آفة تهدّد النظام ككلّ. إن غياب معدّلات الفائدة الحقيقية التي تعكس مستوى الخطر في السوق على فترات طويلة، يعطي مشروعية للسؤال عن الانحراف المتوقّع في بعض الأجهزة الرئيسية للنظام الاقتصادي الحالي. وهنا بيت القصيد.
تغيّرت خصائص الأسواق، وأصبح من اللازم ابتكار أنظمة اقتصادية تتلاءم أكثر مع المتغيّرات، إذ من السذاجة اللجوء إلى حلول مرّ عليها الزمن لمعالجة مشكلات معاصرة


إضافة إلى سوق الأسهم، تتّجه أنظار البعض نحو أسواق السندات، وبالتحديد نحو فقّاعة الديون السيادية للدول. باعتقادي إننا لم نصل إلى هذه المرحلة حالياً، لأن أسعار الفائدة شبه معدومة، وبالتالي تستطيع هذه الدول تمويل دَيْنها عن طريق الاستدانة من جديد.
ولكن هناك عامل يثير اهتمام كل المراقبين، ألا وهو العامل السياسي، والسياسة الحمائية للرئيس ترامب. إن ارتفاع أسعار السلع يمكن أن يؤثّر على القدرة الشرائية للأفراد، وبالتالي على قطاع العقارات، وهذا مؤشّر مهمّ على سلامة الطلب الداخلي والاقتصاد. فمع تراجع الأنشطة الصناعية في بلدان OCDE، يدعو هذا المؤشّر إلى الاستعداد لما هو أسوأ. وهنا يكمن صاعق تفجير الأزمة المقبلة.

عوالم «هكسلي»
بعد أزمة 2008، برزت اتجاهات واضحة توحي بأن النظام العالمي يتطوّر وفق منظور هيكلي وتطبيقي ممزوج بالنظامين الرأسمالي الحرّ والاشتراكي. هذا الاستنتاج مرده إلى اقتراح الحلول المشتقّة من أنظمة سابقة لتلبية نداءات الاستغاثة في الأسواق تحت وطأة الأزمة. أيضاً، كشفت الأزمة عن إحباط وتخبّط على مستوى الحكومات، وعن عجز في كفاءة البنوك في إدارة أنشطتها الخاصة. هذا التخبّط ناتج عن عجز الأنظمة الاقتصادية المعاصرة في اجتراح الحلول واقتراح خصائص إجرائية جديدة لإدارة الأسواق والمخاطر. تغيّرت خصائص الأسواق وأصبح من اللازم ابتكار حلول أو أنظمة اقتصادية تتلاءم أكثر مع المتغيّرات، وتكون على قدر كبير من المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية. من السذاجة اللجوء إلى الحلول التي مرّ عليها الزمن لمعالجة مشكلات معاصرة، وخصوصاً في سوق أصبح يسيطر عليها الطابع التكنولوجي وشركات hyper croissance. إن ضيق الأفق والاستخفاف دفع السلطات النقدية إلى الاستمرار في سياساتها النقدية لفترة أطول، يجب أن يطلق عليها هيكلية وليست ظرفية، لشراء الوقت. هذه السياسة انبثق عنها مؤشّرات غير تقليدية، وهذا ما يفسّر الآن عملية البحث المستميت عن الأزمة الاقتصادية غير الموجودة أصلاً، فما نشاهده هو من خصائص النظام الجديد، أو ما يمكن وصفه بتدويل النظام الياباني الذي يعتمد على معدّلات فائدة سالبة ومعدّلات نموّ وتضخّم ضعيفة لغاية تأقلم الأسواق والشركات التقليدية مع النظام الجديد.
تبقى الضبابية سيّدة الموقف. ولكن، من الملاحظ أن كلّ المؤشّرات تدلّ على تحوّل تقني ملموس وجدّي في المجتمعات والأسواق (تكوين اليد العاملة، القطاع الخاص وحتى القطاع العام)، ألم يعتبر هذا باب للولوج في النظام التكنولوجي الجديد المعنون برواية Huxley للمجتمع التقني؟
في منتصف القرن العشرين، ظهرت عدّة محاولات فلسفية تعتمد المنطق المتشدّد للشمولية في جزأيها الاقتصادي والاجتماعي في ذلك الوقت. أفضل العوالم للكاتب هكسلي*، التي تحاكي الجانب التقني للمجتمع. رواية 1984 الصادرة في عام 1949 للكاتب أورويل عن «الأخ الأكبر» وطغيان النظام السياسي. ونظريات فريدمان عن اقتصاد السوق (الحرّة). فإذا كانت الأولى لم ترَ النور بعد، فإن روايات أورويل وفريدمان سادت فترة زمنية مهمّة ولم تتكلّل بالنجاح. فهل نحن أمام مشهدية اقتصادية جديدة لرواية هكسلي؟ المستقبل القريب قادر على الإجابة عن هذا السؤال.

*أفضل عالم أو أفضل العوالم world new brave هي رواية خيال علمي مشهورة، صدرت عام 1932 للكاتب الانكليزي ألدوس هكسلي Huxley Aldous. تتخيّل الرواية مجتمعاً تحكمه التقنية والبيوتكنولوجيا والتجارب العلميَّة التي يسعى فيها العلماء والتقنيون إلى التحكّم في السلوك البشري.

* إقتصادي لبناني مقيم في فرنسا