لا يحتاج المواطن اللبناني إلى كثير من التفسيرات كي يدرك معنى ومساوئ الفساد عندما يقرأ أو يسمع ما يقال حول فضائح الكهرباء أو النفايات أو المواصلات أو التلوث على أشكاله. لا يحتاج لمزيد من الشرح والتحليل لأنه يعاني من هذه الآفات في حياته اليومية من خلال انقطاع التيار الكهربائي وشحّ مياه الشرب والروائح الكريهة في الشوارع وانبعاثات الغازات المسرطنة وغيرها.

إلّا أن الأمر يختلف عن ذلك كلياً عندما يتعلّق الموضوع بمخاطر النهب والفساد التي تنطوي عليها التدابير المتّخذة لاستغلال ثروة البترول والغاز الموعودة. السبب هو أن لبنان لم يكن يوماً بلداً بترولياً، وأن تعابير من نوع «نظام تقاسم الإنتاج» أو «الإتاوة» أو «السقف السنوي لاسترداد النفقات» أو «الضريبة التصاعدية وفق عامل الدخل»... ما زالت إلى حدٍّ بعيد ضبابية بالنسبة إلى غالبية المواطنين. لا سيّما أن المسؤولين عن هذا القطاع تجنّبوا كل ما من شأنه توعية الرأي العام لمعنى وأهمّية هذه المفاهيم عبر حوار وطني عام وصريح وعلمي وموضوعي داخل المجلس النيابي وفي وسائل الإعلام. ما حصل هو عكس ذلك تماماً، إذ تمّ الالتزام بالسرّية والكتمان واعتماد شتى أنواع التضليل كالادعاء بأن سياسة البترول في لبنان مستوحاة من «النموذج البترولي النرويجي» أو القول بأنه يتمتّع بأفضل تشريع بترولي وبأعلى درجات الشفافية في العالم، وغير ذلك من التصريحات الجوفاء.


ما يزيد في خطورة هذا الوضع أن القائمين على هذا القطاع أعلنوا رسمياً فتح دورة تراخيص ثانية تغطّي خمسة من أصل ثمانية بلوكات بحرية باقية، بهدف إبرام اتفاقيات استكشاف وإنتاج جديدة قبل نهاية العام المقبل. وذلك من دون أي تعديل يُذكر في الشروط الكارثية السابقة، ما يعني تقييد لبنان، ولمدّة لا تقل عن أربعين سنة، باتفاقيات مع شركات بترولية عملاقة، وعلى أساس شروط هي من الأسوأ مقارنة مع الدول المُنتجة، ويمكن إيجاز أهمّها في النقاط التالية:

أولاً، تزوير القانون عبر طرد الدولة من الأنشطة البترولية
خلافاً للمواد 3 و4 و6 و44 من القانون البترولي 132/2010، نصّت المادة 5 من المرسوم 43/2017 على أنه «لن يكون للدولة مشاركة في دورة التراخيص الأولى». هذا التزوير الموصوف للمبادئ الأساسية التي قام عليها القانون، يعني تلقائياً إسقاط كامل حقوق ملكية الدولة على البترول والغاز المكتشف، واستبدال نظام تقاسم الإنتاج بالعودة إلى نظام الامتيازات القديمة التي لم يعد يقبل بها أي بلد آخر في العالم، وتكبّد خسائر مالية ضخمة، فضلاً عن المساس بحقوق السيادة التي سبق أن أشرت إليها مطولاً على هذه الصفحات (راجع الأخبار تاريخ 17 شباط 2018).
من المدهش أن المسؤولين عن وزارة الطاقة أكّدوا في مطلع العام الماضي أن نسبة مشاركة الدولة في الاتفاقيات الجديدة ستعلَن لاحقاً. إلّا أنه لم يحدث حتى اليوم شيء من هذا القبيل. عوضاً عن ذلك، أعلنت وزارة الطاقة والمياه رسمياً، في الأسبوع الماضي، كما سبق وأعلنت هيئة إدارة قطاع البترول، عن الإطلاق الفوري لدورة التراخيص الجديدة، ولكن من دون أيّ إشارة إلى موضوع مشاركة الدولة ومن دون أي توضيح عمّا إذا كانت المادة 5 من المرسوم المذكور الخاصة بعدم مشاركة الدولة «في دورة التراخيص الأولى» ما زالت سارية المفعول أم لا. مع العلم أن هذه المادة، التي سمح بعض موظّفي وزارة الطاقة ومستشاريهم الأجانب لأنفسهم بصياغتها، هي تزوير صارخ للقانون البترولي 32/2010، بكل معنى الكلمة، ومن أخطر تبعاته خسائر مالية تُقاس بالمليارات، وشلّ دور الدولة المحوري في الأنشطة البترولية عبر شركة بترول وطنية، واستحالة تطبيق نظام تقاسم الإنتاج الذي نصّ عليه القانون نفسه، والعودة إلى نظام الامتيازات القديمة الذي لم يعد يقبل به أيّ بلد من بلدان العالم الأكثر تخلّفاً وفساداً.
وما يزيد الوضع غرابة أن مشروع قانون إنشاء شركة نفط وطنية قد أصبح في آخر مراحله في المجلس النيابي، ومن المنتظر أن يُبصر النور قريباً، وبذلك يصبح أمراً ممكناً أن تكون هذه الشركة الوطنية طرفاً أساسياً مع متعهّد أجنبي، من نوع الشركة الفرنسية توتال أو غيرها، في إطار اتفاقية تقاسم الإنتاج. وفي حال تأخّر صدور القانون المرتقب، فمن الممكن ولا بدّ عندئذ من تضمين أيّ اتفاق مع المتعهّد الأجنبي بنداً صريحاً عن مشاركة الدولة ممثّلة بشركة وطنية أو أي هيئة أخرى.
بانتظار ذلك من البديهي أن يُطرح السؤال عن منطق وجدوى إطلاق دورة تراخيص جديدة واستدراج عروض من شركات أجنبية لا تعرف بعد (وكذلك لا يعرف اللبنانيون) ما إذا كان المطلوب منها مشاركة طرف وطني، وشروط هذه المشاركة، أو أنها ستكون وحدها في الميدان وفق المادة 5 من المرسوم 43/2017 التي تزور مبادئ القانون الجوهرية.
وهكذا شئنا أم أبينا، تسير الأمور في بلدنا العزيز وكأن سياسة استثمار الثروة النفطية الموعودة هي «هواية» جديدة، وكأن موضوع مشاركة الدولة في هذه الصناعة أو عدم مشاركتها، أو الهدر الأعمى للمليارات أو ربّما عشرات المليارات من الدولارات، هو رهن مزاج هذا الوزير أو ذاك الموظف!

ثانياً، مسؤولية المجلس النيابي ودور الخبراء
الشرط الأول للخروج من هذا الوضع العجيب الذي فُرض على اللبنانيين هو استعادة المجلس النيابي للصلاحيات التشريعية والرقابية التي سُلبت منه، ما أتاح لبعض الموظّفين إمكانية انتهاك روح ونصّ أهم الأحكام القانونية التي وضعها. وقد تم ذلك تحت ستار السرّية، وقد أشار إلى ذلك رئيس لجنة الطاقة في المجلس النيابي السابق عندما قال: «إن أسوأ ما تمتاز به مسيرة البترول والغاز هو التكتّم والسرّية»، وكأن الموضوع يتعلّق بمكافحة الإرهاب أو تهريب المخدّرات.
أما الشرط الثاني فهو كشف هوية بعض «الخبراء» الأجانب ومآربهم، والذين يختبئ وراءهم المسؤولون في وزارة الطاقة لتبرير شتّى الانحرافات والتجاوزات التي حصلت، بمن فيهم أولئك الذين يدّعون العمل باسم السلطات النرويجية، من دون أن يتسنّى للبنانيين، منذ سنوات وحتى اليوم، رؤية وجوههم أو معرفة أسمائهم ولمصلحة من يعملون على وجه التحديد. وعلى رأسهم بشكل خاص الجيولوجي الذي يحمل الجنسيتين العراقية والنرويجية فاروق القاسم، وهو الوحيد الذي خرج من الظل حتى الآن لينشر في «الأخبار» بتاريخ 13 كانون الثاني 2018 مقالاً كان بمثابة جواب على الكتاب المفتوح الذي وجهه كاتب هذه الأسطر للرئيس ميشال عون ونُشر في «الأخبار» أيضاً قبل ذلك بأسبوع، للفت نظره إلى مخاطر مسيرة البترول والغاز.
ويستحقّ مقال الجيولوجي المذكور انتباهاً خاصاً لأنه كان المرّة الأولى والوحيدة حتّى الآن، التي ينبري فيها ليس واحد فقط من الخبراء المقنّعين، بل من يُعتبر المستشار البترولي الرئيسي لهيئة إدارة قطاع البترول وغيرها من الجهات اللبنانية المعنية. وليس من المستغرب، وهذه هي الحال، أن يثني السيد القاسم على كل التدابير التي تمّ اتخاذها في هذا المجال من دون استثناء أو تحفّظ، من رسم خطوط السياسة البترولية إلى أول اتفاقيتَي استكشاف وإنتاج في الرقعتين 4 و9، مروراً بالقانون البترولي والمراسيم التطبيقية، إلخ... وكذلك ليس من المستغرب أن يحاول استبعاد المخاطر وتبرير أهم الانحرافات التي أشار إليها الكتاب المفتوح الذي تم توجيهه إلى رئيس الجمهورية.
لكن المستغرب والمستهجن هو أن يقع خبير بتروليّ معروف كالسيد القاسم في مغالطات وتناقضات لا يمكن تفسيرها بجهل أو قلّة خبرة من كتبها ونشرها.
في طليعة هذه المغالطات تبرير تزوير القانون عبر المادة 5 من المرسوم 43/2017 التي نصّت على عدم مشاركة الدولة في دورة التراخيص الأولى، إذ يقول «اختارت السلطات» إضافة هذه المادة، من دون أن يوضح أي سلطات يعني. وبما أنه يعرف طبعاً أن المجلس النيابي لم يقم بذلك، وأنه لا يحقّ لأي سلطة أخرى تشويه وتحريف القانون بهذا الشكل، ألم يكن من واجبه كمستشار بترولي معروف تنبيه من أقدم على هذه الخطوة حول خطورة ومغبة هذا التزوير؟ بدلاً من ذلك نراه يسترسل في مقاله في تبريرات ومغالطات مِن أعجبِها القول حرفياً: «يقتضي على الدولة في حالة مشاركتها في الأنشطة البترولية (State Paricipation) تسديد حصّتها من الاستثمار وتحمّل فقدان هذه المبالغ في حال الفشل». (كذا بالحرف الواحد!). وهذه مغالطة لا عذر لها بالنسبة إلى الخبير المذكور، نظراً إلى أن من المبرّرات الأساسية لنظام المشاركة هو أن المتعهّد الأجنبي وحده يتحمّل المخاطر ويتولّى التمويل، في حين أن الطرف الوطني لا يدخل كشريك ولا يدفع حصّته (المحمولة من المتعهّد الأجنبي) إلّا في حال اكتشاف تجاريّ وإنتاجه.
بالإضافة إلى محاولة السيد فاروق القاسم في مقاله في «الأخبار» تبرير ما جاء في المادة 5 من المرسوم 43/2017 حول عزوف الدولة عن المشاركة، ومن ثم عن تطبيق نظام تقاسم الإنتاج، فمن المذهل أنه ينكر ويتجاهل في الفقرة التالية أن تكون النرويج قد مارست هذا النظام في الماضي عندما كانت بحاجة إليه، إذ يؤكّد: «أن التجربة النرويجية كانت ولا تزال مبنيّة على نظام الامتياز بعد تحويرات وتطورات مهمّة، حتى نهاية القرن الماضي». إلّا أنه ينسى أو يتناسى ما حصل قبل نهاية القرن الماضي، وأنه قد سبق لهذا البلد واستعان بنظام المشاركة وتقاسم الإنتاج في المراحل الأولى من تطوير صناعة البترول والغاز، عندما كان في وضع قريب من وضع لبنان في الظروف الراهنة.
وليس هذا سراً في كلّ ما عُرف وكُتب عن نموّ هذه الصناعة في النرويج، وهذا تماماً ما يرويه فاروق القاسم نفسه بالتفصيل في كتابه «النموذج البترولي النرويجي» الذي تم نشره بالعربية في الكويت عام 2010. ويفسّر الكاتب في الصفحة 42 وما يليها كيف تصاعدت القناعة بضرورة مشاركة الدولة في «عمليات النفط»، ويشير إلى الرسالة التي بعث بها مجلس النفط النرويجي إلى وزارة الصناعة عام 1968 للفت انتباهها إلى أهمّية هذه المشاركة. كما يشير في الصفحة 44 إلى تقرير الوزارة إلى البرلمان حيث جاء: «ترتئي الوزارة أن مشاركة الحكومة ستكون أمراً ضرورياً على الأقل من أجل الحصول على فرصة للتحكّم والتهيّؤ لأعمال التنقيب واستثمار النفط على الساحل القاري النرويجي بشكل أكثر ملاءمة وفائدة للمصلحة النرويجية». الضرورة نفسها للمشاركة كرّرتها لجنة حكومية خاصة عام 1969 كوسيلة لا بدّ منها لتطوير الفعاليات والخبرات اللازمة التي ستحتاج لها «المؤسّسات النرويجية التي ستشارك في عمليات النفط».
أما الوسائل التي لجأت إليها النرويج للتغلّب على افتقارها حتى تلك الفترة للتجربة والقدرات المالية والتقنية اللازمة للمشاركة الفعلية في الأنشطة البترولية والغازية، فهي الوسائل نفسها التي لجأت إليها عشرات الدول الأخرى عبر مشاركة شركات بترولية عالمية في إطار نظام تقاسم الإنتاج. وهذا تماماً ما يذكره فاروق القاسم في الصفحة 44 وما يليها حيث يفسّر بإسهاب أنه، بعد فترة صعبة: «بدأت شركة ستاتويل تشارك في كل القطع بنسبة لم تقل عن 50% من الحصص. بالإضافة إلى ذلك كان بإمكان الشركة أن ترفع حصّتها إلى ما بين 70% و80% وفقاً لحجم الاكتشاف. وفي كل الاتفاقيات، كانت ستاتويل في ذلك الوقت محمولة (Carried) من قِبل الشركات الأخرى طوال فترة التنقيب. ويعني هذا أن الشركات الأخرى تدفع حصّة ستاتويل من تكاليف التنقيب على أمل استرجاعها هذه المبالغ في حالة تحقيق الإنتاج» (كذا حرفياً ما جاء في الصفحة 51).
ألم يكن من البديهي، وهذه هي الحال، أن ينصح فاروق القاسم اللبنانيين بالاقتداء بما فعلته النرويج (وعشرات الدول الأخرى)، أي بتطبيق المشاركة التي نصّ عليها القانون، بدلاً من تضليلهم والاكتفاء بالقول إن النرويج لا تمارس سوى نظام الامتياز «منذ نهاية القرن الماضي»، خصوصاً أن عمله الاستشاري يتمّ تحت مظلّة إتفاق التعاون القائم منذ أكثر من عشر سنوات بين الحكومتين اللبنانية والنرويجية.
هذا واحد من جملة تساؤلات أخرى يطرحها عمل بعض خبراء البترول النرويجيين المجهولي الهوية الذين يأتون ويذهبون منذ سنوات كالأشباح من دون أن يعرف أحد بماذا ينصحون ولحساب من يعملون؟
أخيراً لا آخراً تُطرح علامات استفهام كبيرة حول أسباب تعامي بعض المسؤولين عن قطاع البترول عن الانحرافات الكارثية التي حصلت ولا تزال تحصل، وخصوصاً تجاهل مشاركة الدولة في الأنشطة البترولية، وتجنّب إنشاء شركة نفط وطنية والقبول بدخل بترولي مرتقب من الأدنى في العالم، ما لا يمنعهم من التغنّي باتّباع النموذج النرويجي الذي لا يشبه ولا علاقة له، لا من قريب ولا من بعيد، بالشطارات والسمسرات والنهب الذي أصبح يهدّد الاقتصاد الوطني برمّته.
هذه السياسة العبثية لا يمكنها إلّا أن تؤدّي بدورها إلى هدر الثروة البترولية الموعودة. إنها الإجرام بعينه بحق لبنان واللبنانيين.

* باحث في شؤون البترول