شكّل انتصار الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979 محطة فاصلة في تطور النظرة الإسرائيلية إلى موقع العراق ودوره في استراتيجية تل أبيب الإقليمية. قبل الثورة في إيران، شكّل العراق مصدراً محتملاً للتهديد، انطلاقاً مما يُمثِّله من عمق استراتيجي عربي لسوريا وللجبهة الشرقية. أما بعد سقوط الشاه، وإقامة نظام معادٍ بالمطلق للكيان الصهيوني، باتت النظرة الإسرائيلية إلى العراق مُركَّبة من كونه مصدراً دائماً للتهديد، وفي الوقت نفسه منطقة استراتيجية عازلة وسدّاً منيعاً أمام إيران. إزاء هذا المستجد الإقليمي، تحوّل العراق إلى كونه القوة الإقليمية التي راهن عليها الغرب وإسرائيل لمواجهة إيران بهدف إسقاطها، ولاحقاً بهدف احتوائها. وشكَّلت الحرب الإيرانية ــــ العراقية التي استمرت نحو 8 سنوات، من المنظور الإسرائيلي، فرصةً لاستنزاف البلدين وإشغالهما بعضهما ببعض. فرصة استغلّتها تل أبيب في عام 1981 لاتخاذ قرار بتدمير المفاعل النووي العراقي من دون أي رد عقابي عملاني.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، بادرت الولايات المتحدة، على رأس تحالف دولي، إلى تدمير البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية للعراق، بعدما احتلّت قواته العسكرية الكويت في الثاني من شهر آب 1990، ليعقب ذلك اعتماد استراتيجية «الاحتواء المزدوج» تجاه كلّ من إيران والعراق. انهيار المعسكر الشرقي وتدمير العراق شكَّلا بالنسبة إلى الدولة العبرية، بما فيها حزب «الليكود» اليميني، فرصة من أجل فرض صيغة تسوية للصراع العربي الإسرائيلي تلبّي المطالب والطموحات الإسرائيلية، كما يقول بنيامين نتنياهو في كتابه «مكان بين الأمم».
شكّل تولي جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، مطلع عام 2001، ومن خلفه المحافظين الجدد، تحوّلاً في النظرة الأميركية إلى العراق؛ فانتقلت واشنطن، مدفوعةً بمجموعة من الخلفيات، إلى مرحلة احتلال العراق بما ينطوي عليه من ثروات نفطية هائلة، وبما يمثله من موقع جغرافي واستراتيجي تجاه كلّ من إيران وسوريا ودول النفط في الخليج... بهدف تجذير وتكريس الهيمنة على المنطقة والعالم. وقد مثّل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 منشأ رهانات إسرائيلية استراتيجية بلغت حدّ السماء، إذ إن تل أبيب اعتبرت أن ذلك سيؤدي إلى تعزيز مكانتها الاستراتيجية في المنطقة، وتعزَّزت لديها الرهانات على شطب إمكانية إعادة تشكّل الجبهة الشرقية في المستقبلين المنظور والمتوسط، وعلى تطويق الجبهة الشمالية، وبلغت بها الآمال حدّ إمكانية تطويع النظام السوري والقضاء على حزب الله، كما كشف عن ذلك رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء عاموس يادلين (2006 – 2010)، خلال كلمة له أمام معهد أبحاث الأمن القومي الذي يترأسه بمناسبة مرور عقد على حرب لبنان الثانية، فضلاً عن الرهان على فرض صيغة تسوية نهائية على المسار الفلسطيني.

فشل الرهان على «داعش» أدى إلى بلورة قوة إقليمية في العراق


لكن فشل المخطّط الأميركي في العراق والمنطقة، ثم الانسحاب من العراق من دون التمكن من فرض نظام سياسي يتبنى سياسة الولايات المتحدة، وتحديداً في مواجهة إيران وسوريا، بدّد الآمال الإسرائيلية في ما يتعلّق بالجبهة الشرقية، وبات كيان العدو أمام واقع استراتيجي جديد، وخاصة أن التوجهات الإقليمية للنظام السياسي العراقي اتضحت معالمها بشكل حاد في الموقف من المخطط الدولي العربي لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد. وهو أمرٌ دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى التحذير، في خطابه أمام الكنيست في 28/12/2011، من أن «الوضع الجديد الناشئ في العراق من شأنه أن يجعل إسرائيل تواجه تحديات مردُّها الشرق (إشارة إلى الجبهة الشرقية) بصورة لم نعهدها ولم نتعامل معها منذ 10 سنوات تقريباً»، وما قد يمثله لاحقاً في ظلّ إمكانية إعادة إنعاش الجبهة الشرقية، فضلاً عن تسليطه الضوء على الأهمية المتزايدة للأردن كونه منطقةً عازلةً في مواجهة العراق.
في مرحلة لاحقة، تبلور رهان إسرائيلي جديد تمثّل في الدور الذي قام به تنظيم «داعش» في استنزاف محور المقاومة، وإمكانية أن يشكّل ذلك سداً أمام إيران ومحور المقاومة، وهو ما أفصح عنه نتنياهو في مناسبات عدة، من ضمنها التشديد على ضرورة ألا يؤدي ضرب «داعش» إلى تعزيز المحور الذي تتزعّمه إيران، وأنه ينبغي اعتماد سياسة عملانية تسمح باحتواء الطرفين. وبعد أقلّ من أسبوع من التاريخ نفسه، أكد نتنياهو أن «التهديد الأكبر ليس من داعش، بل من الطرف الأصولي الشيعي»، في إشارة إلى إيران وحلفائها. ثم كرر المواقف نفسها في السنوات التي تلت. لكن مشكلة تل أبيب أن فشل الرهان على «داعش» في إسقاط محور المقاومة واحتوائه أدى أيضاً إلى بلورة قوة إقليمية في العراق، تتمثل في «الحشد الشعبي» وفصائل المقاومة التي تشكّل جزءاً من المحور المضاد.
أمام هذا الواقع، بات العراق في الوعي الإسرائيلي وحسابات المؤسسة الأمنية يملك قوة دفاع أثبتت فعاليتها في الميدان، وفي مقابل أشدّ تنظيم إرهابي فتكاً وتدميراً. ولا يقتصر دوره فقط على تشكيل سدّ أمام أي محاولة لاستخدام العراق كمنصة لاحتواء إيران والاعتداء عليها، وإنما أيضاً كقوة إقليمية كان لها دورها في الساحة السورية ضد الجماعات المسلحة والإرهابية.