نجحت الضغوط الأميركية المُكثّفة في اجتذاب جزء من «الكتلة السنية» لصالح معسكر الصدر ـــ العبادي، من دون أن تتمكّن من حسم السباق على «الكتلة الأكبر»، في ظلّ انشطار تحالف «النصر»، وغياب المكوّن الكردي. وبعدما ألقى الصدر والعبادي آخر خراطيشهما مساء أمس، اتّجهت الأنظار نحو موقف التحالف الكردستاني الذي تواصلت ليلاً الاجتماعات بينه وبين معسكر العامري ــ المالكي.

استعجل معسكر رئيس الوزراء حيدر العبادي، وزعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، إعلان «الكتلة النيابية الأكبر» قبيل الموعد المُحدّد لانعقاد الجلسة البرلمانية الأولى. إعلان بدا أقرب إلى تسابق مع الوقت منه إلى خطوة واثقة وثابتة. المفارقة أن تحالف «النصر»، بزعامة العبادي، احتُسب بمختلف أعضائه (42)، بمن فيهم فالح الفياض الذي أقاله العبادي أخيراً وفتح عليه أمس نيران تصريحاته، من ضمن عداد الكتلة المفترضة التي حملت اسم «الإصلاح والبناء». في هذا الإطار، تؤكد مصادر مطلعة، لـ«الأخبار»، أن عدداً غير واضح إلى الآن من نواب «النصر» باتوا في صفّ الفياض بمواجهة العبادي ومن تبقّى معه. ما يُسجّل أيضاً في «وثيقة الكتلة الأكبر»، التي نُشرت في ساعة متأخرة من مساء أمس، غياب العنصر الكردي الذي يشكّل، بحزبَيه الرئيسين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) كتلة وازنة (43 مقعداً) يمكنها تبديل المعادلة، ولا يمكن في حال من الأحوال المضيّ في تشكيل الحكومة من دونها.
والظاهر أن معسكر العبادي ـــ الصدر، وفي أعقاب فشل الاجتماع الشهير في فندق بابل في بغداد، أراد إلقاء آخر خراطيشه، وقلب الطاولة على منافسيه، واستباق أي تطور قد تشهده الجلسة الأولى للبرلمان، والتي يُفترض أن تنعقد صباح اليوم، بعدما رفض رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، تلبية «طلبات كثيرة» بتأجيلها، «التزاماً بالتوقيتات الدستورية». وبحسب مصدر قيادي في تحالف «الفتح» (بزعامة هادي العامري) تحدث إلى «الأخبار»، فإن مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، بريت ماكغورك، كان يحاول الدفع في اتجاه تأجيل الجلسة، عن طريق ممارسة ضغوط على بعض الكتل السياسية، من أجل أن تطلب ذلك من معصوم، حتى لا يتسنّى لمعسكر «الفتح» ـــ «دولة القانون» (بقيادة نوري المالكي) إعلان «الكتلة الأكبر» خلال الجلسة المنتظرة.

هدّد العبادي بمقاضاة الفياض إذا تحدث باسم «النصر»


ومع فشل خطة تأجيل انعقاد البرلمان، وجد الأميركيون أنفسهم أمام تحدي اجتذاب «السنّة» إلى معسكر العبادي ـــ الصدر بأسرع ما يمكن. وهذا ما كان، إذ تدخّل وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، بنفسه لدى القوى والشخصيات «السنية»، وفي مقدمها رئيس «تحالف القرار» أسامة النجيفي، لثنيها عن الانضمام إلى معسكر العامري ـــ المالكي. لكن إذا كانت واشنطن قد نجحت في اجتذاب بعض القوى والشخصيات «السنّية»، فإن اجتياز العقبة الكردية ليس بالسهولة نفسها، بالنظر إلى أن التحالف الكردستاني ليس مستعداً للانضمام إلى حكومة يقودها العبادي، الذي باتت واشنطن تخوض معركة ولايته الثانية علناً ومن دون حرج. ووفقاً لآخر المعلومات التي وردت ليلاً من بغداد، فإن اجتماعات مكثفة انعقدت بين ممثلي تحالف «الفتح» ـــ «دولة القانون» وممثلي «التحالف الكردستاني»، في ظل أجواء «إيجابية ومثمرة»، على حدّ وصف المتحدث باسم «الفتح» أحمد الأسدي، ما يشي بإمكانية أن تشهد جلسة اليوم إعلان «الكتلة الأكبر» من قِبَل هذا الفريق، الذي بات جلياً انضمام كتلة وازنة من «النصر» إليه.
الانشطار داخل «النصر»، والذي أفقد العبادي عملياً السيطرة على تحالفه، بدت آثاره واضحة في التصريحات النارية التي أطلقها رئيس الوزراء أمس، والتي هاجم فيها بحدّة رئيس «هيئة الحشد الشعبي» المقال، مُهدِّداً بمقاضاته. وقال العبادي، في حوار متلفز، إن «ائتلاف النصر سيحضر غداً (اليوم) إلى البرلمان، وأنا كذلك بصفتي رئيس مجلس وزراء وفائزاً في الانتخابات، لكنني لن أؤدي اليمين الدستورية، لأن ذلك سيمنعني من أداء مهامي التنفيذية»، مضيفاً أن «الفياض لا يمثل ائتلاف النصر وسنقاضيه إذا تحدّث باسمه». وتابع «(أننا) لن نجازف بمصلحة شعبنا لأجل إيران أو أي دولة أخرى»، في ما بدا تناغماً واضحاً مع التحركات الأميركية، التي وصلت بحسب القيادي في «دولة القانون»، كاطع الركابي، حدّ «تهديد تحالف المحور الوطني (الكتلة السنّية) بإرجاع تنظيم داعش الإجرامي إلى المناطق السنية مجدداً»، و«قيام السعودية بضخّ المليارات لقيادات الكتل السياسية والأحزاب بتوجيه من الولايات المتحدة من أجل عرقلة تشكيل الكتلة الأكبر»، وفق النائب عن «دولة القانون» منصور البعيجي.