القاهرة | يجيد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، إيصال الرسائل السياسية. فعلها في مؤتمر دافوس في مواجهة مع رئيس الدولة العبرية شيمون بيريز. حينها، كانت الرسالة واضحة: أنقرة لن تترك تل أبيب وواشنطن تستأثران بالشرق الأوسط. وها هو يعيد الكرة في الزيارة للقاهرة.الرسالة هذه المرة مختلفة: تركيا خفضت مستوى علاقتها مع إسرائيل وطردت سفيرها، وها هي الآن تولي وجهها شطر الربيع العربي والبداية من القاهرة، وهي رسالة تؤكد دعم تركيا للديموقراطية الوليدة في مصر أولاً، ثم التضامن مع القاهرة احتجاجاً على مقتل الجنود الخمسة على أيدى القوات الإسرائيلية في سيناء، والأهم تكوين محور تركي ـــــ مصري في مواجهة «محور الشر» الإسرائيلي الأميركي.

تل أبيب تراقب الزيارة عن كثب؛ لأنها تأتي في وقت بالغ الحساسية، فالدولة العبرية أرادت عقب تنحي الرئيس السابق إقامة جسر مع القاهرة، خوفاً من وصول الغضب الشعبي إليها، لكنها اصطدمت بأحد مطالب الثورة، وهو «وقف تصدير الغاز إليها». ولم تخفف المكالمات الهاتفية بين المسؤولين الإسرائيليين وقائد المجلس العسكري، حسين طنطاوي، من حدة الرفض الشعبي لاستمرار العلاقات المصرية الإسرائيلية كما كانت في السابق، بل زادت الضغوط مع مقتل الجنود المصريين على الحدود وهبّ المصريون لاقتحام السفارة. كل هذا خدم الدبلوماسية التركية التي تحركت على الفور وأعلنت مراراً أنها ضد الخرق الواضح من جانب تل أبيب للحدود مع مصر. وساندت، ولو بالتصريحات، رد الفعل الشعبي. لهذا، لم يكن غريباً أن يحتشد عدد كبير من المصريين في مطار القاهرة، مساء أول من أمس، في استقبال الزعيم التركي.
أصوات مصرية ليست قليلة تردد أن زيارة أردوغان تفيد الجانب التركي في حربه الكلامية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، بأكثر مما تفيد مصر، وتفتح مجالاً أوسع أمام أنقرة في البحر المتوسط، وخصوصاً بعد تصريح رئيس الوزراء التركي رداً على تل أبيب منذ أيام بأن «قوات البحرية التركية ستؤدي دوراً أكثر نشاطاً في المنطقة». يضاف إلى ذلك أن أنقرة تريد من وراء التقارب مع القاهرة، وخصوصاً على المستوى الشعبي، حشد الدعم لموقفها من القضية الفلسطينية والدخول بنحو أكبر في مجرى المفاوضات، ما يعزز الموقف التركي في العالم العربي، وبالتالي سيتصاعد الضغط العربي على الحكومات العربية لاتخاذ دور أكثر نشاطاً في القضية الفلسطينية.
لكن يبدو أن هناك أهدافاً أخرى وراء الزيارة، ربما أهمها الاعتراف الرسمي من جانب أكبر مؤسسة دينية في مصر والعالم العربي (الأزهر) بالنموذج التركي، الذي طالما هاجمه الإسلاميون باعتباره نظاماً علمانياً يفصل الدين عن الدولة. أردوغان اصطحب معه 6 وزراء وأكثر من 250 رجل أعمال، لأنه، كما قال، «يريد تفعيل مستوى التعاون الاستراتيجي بين مصر وتركيا». وهذا التعاون يتضح بشدة اقتصادياً؛ فالمنتَج التركي يوجد بقوة في الأسواق المصرية الآن. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن حجم التبادل التجارى بين القاهرة وأنقرة زاد في الفترة الأخيرة بمقدار 30 بالمئة. وأكد أنه «ليس بعيداً أن يجري الاتفاق، بعد الزيارة، على إلغاء التأشيرات بين مصر وتركيا، ومبدأ الاتفاقات العسكرية وارد أيضاً».
التعاون العسكري الذي أشار إليه أردوغان، أكدت مصادر أنه غير وارد خلال المرحلة الحالية «قد يأتي لاحقاً. والحديث عن تكوين محور مصري ـــــ تركي مناهض لإسرائيل في المنطقة مستبعد». هذا على المستوى الرسمي، لكن الوضع يختلف على المستوى الشعبي؛ فالتجربة التركية تحظى بقبول واسع حتى بين الإسلاميين، الذين يريدون إعادة نموذج حزب «العدالة والتنمية» في مصر. وربما كانت تسمية جماعة الإخوان المسلمين لحزبها «الحرية والتنمية»، تيمناً بالنموذج التركي.