ماذا الآن؟ ما الذي يجب أن تفعله الولايات المتحدة في مصر؟ في المنطقة؟ هل نتدخّل؟ كيف؟ هل أصاب أوباما بتصرّفه؟ ماذا بعد؟ أسئلة حاول معظم الصحافيين والمحللين السياسيين الأميركيين الإجابة عنها وسط ترجيحات وخيارات مفتوحة فرضتها حدّة التحركات المفاجئة في مصر التي لم يكن يتوقّعها المراقبون... أقلّه الآن.

من جهة، وجّه عدد كبير من الصحافيين انتقادات حادّة إلى الرئيس باراك أوباما بسبب ازدواجيته في الموقف تجاه القضيتين التونسية والمصرية، حيث لاموه على احتفاظه بتأييد بقاء الرئيس المصري في سدّة الحكم ودعوته «فقط» إلى فتح حوار مع القوى المعارضة، فيما كان موقفه حاسماً وواضحاً إلى جانب «خيار الشعب التونسي» منذ البداية.
«لم نسمع أحداً يقول لمبارك عبارة «أسقِط هذا الجدار»»، يشير الصحافي توبين هارشو على مدوّنة صحيفة «نيويورك تايمز»، معلّقاً على موقف إدارة اوباما المثير للجدل تجاه التحركات الشعبية في مصر. أما عن سؤال «كيف يجب أن تتصرف أميركا الآن؟»، فقد انقسمت الإجابات وتنوّعت.
ويليام كريستول في مجلة «ويكلي ستاندارد» مثلاً، كان حاسماً في طلبه من الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية الاميركية بـ«التصرف بأسرع وقت ممكن»؛ لأنه، حسب كريستول، «كلّما كان تدخّلنا في قضية مصر بطيئاً، أفسحنا المجال للإخوان المسلمين في السيطرة على الحكم».
وفي رأي مناقض لهذه الدعوة تماماً، كتب مارك لينش في مجلة «فورين بوليسي» مقالاً بعنوان «أوباما يتعامل مع (أحداث) مصر جيداً»، يشرح فيه صوابية موقف الرئيس الأميركي في التروّي والهدوء في طريقة التعاطي مع الرئيس المصري والحالة الطارئة في البلد. إذ يقول لينش إن «الإدراة الأميركية تعرف تماماً كيف تمدّ الحبل كفاية ليلفّه الرئيس المصري حول عنقه ويشنق نفسه به. في هذا الوقت تكون تلك الإداراة قد أعدّت بدقّة انتقالاً ديموقراطياً للسلطة إلى خلف مناسب يتسلم الحكم في مصر». ويردّ لينش على من يدعو أوباما إلى التخلي فوراً عن مبارك بالقول: «إذا تخلّى أوباما عن أبرز حلفائه من دون حتى أن يتصل به هاتفياً، فستكون رسالة سيّئة لحلفاء الولايات المتحدة الأميركية في العالم». لذا، يقترح لينش على أوباما أن يؤدي عرضاً مسرحياً يوحي من خلاله أنه يحاول أن يعطي حليفه فرصة أخيرة للتغيير.
مجلة «فورين بوليسي» خصصت معظم مقالاتها لمتابعة أحداث مصر وتحليلها، ومراقبة تحركات من أطلقت عليهم اسم «جيش شباب العالم العربي»، في إشارة إلى المتظاهرين في تونس ومصر.
وإلى جانب مقالات تدعو اللوبي الإسرائيلي، على نحو طارئ، إلى قراءة الأوراق الإسرائيلية في ضوء التغيرات الحاصلة في العالم العربي، خصصت المجلة «طاولة حوار» لبحث عنوان واحد وعريض: «نهاية فرعون». طاولة «فورين بوليسي» حاولت طرح عدة سيناريوات لكيفية التدخل في مصر الآن. الكلّ أجمع على ضرورة أن ترعى الولايات المتحدة عملية انتقال السلطة في مصر، لكن كل من المحللين اقترح طريقة لذلك.
ناثان براون، الأستاذ في جامعة جورج واشنطن، وأحد المشاركين في الحوار، يرى أن اكتفاء الإدارة الأميركية بدوزنة كلامها وإطلاق عدد من التصريحات لا يرقى إلى مستوى النهج السياسي ولا يُسهم في تغييره أو تطويره. براون يدعو الإدراة الأميركية إلى عدم الاكتراث للمنظرين الذين يرون القضية المصرية من خلال الخرم الضيق للسياسة الأميركية المحلية. «ليس الوقت مناسباً لتنهار الإدراة الأميركية بسبب الإخوانوفوبيا» يقول براون، موضحاً أن «الإخوان المسلمين» في مصر هم أحد اللاعبين المهمين على الساحة السياسية المصرية، لكنهم ليسوا الأساس في اللعبة. وللأشهر المقبلة القريبة يدعو براون الولايات المتحدة إلى اعتماد المرونة في سياستها تجاه ما سيحدث في مصر؛ لأنه ـ حسب الكاتب ـ «نحن نعرف جيداً هذا المجتمع، برجال أعماله وسياسييه ورجال أمنه ودبلوماسييه»؛ لذا يمكن الإدارة الأميركية أن تراقب بعناية وتهيئ بدقة لانتقال السلطة بطريقة ديموقراطية وواضحة. لكن براون يسارع إلى التنبيه بأن السياسات التي لا تزال الولايات المتحدة تتبعها في الشرق الأوسط منذ السبعينيات «باتت عتيقة ولم تعد صالحة للتطبيق بعد الآن».
شادي حميد، مشارك آخر في «طاولة الحوار»، يصف ردة فعل أوباما على ما يجري في مصر بالـ«too little, too late»، لذا هو يدعو الإدراة الأميركية إلى أن تستفيد مما حققته في مصر في ظل حكم حليف عايشه 8 رؤساء جمهورية أميركيين. حميد يحذّر الولايات المتحدة من عدم التدخل في الشؤون المصرية في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية، لأن عدم التدخل الأميركي سيفهمه المصريون بأنه تواطؤ مع النظام الحاكم.
مجلة «نيو ريبابليك» اختارت بدورها أن تتناول الأحداث المصرية، لكن من وجهة نظر إيرانية معارِضة. وفي مقال موقّع باسم عباس ميلاني، مدير «مشروع إيران الديموقراطية»، قارن الكاتب بين التحركات المصرية الأخيرة والثورة الإيرانية عام 1979. وتحت عنوان «تشجيع وتحذير للمصريين»، رأى ميلاني أن الإدراة الأميركية يجب أن تدعم التحركات الشعبية في مصر لأنها تشبه إلى حدّ بعيد رغبة الإيرانيين في إسقاط نظام الشاه في أواخر السبعينيات. لكن ميلاني يسارع إلى تحذير الأميركيين والمصريين من أن «يُخدعوا» كما «خدع الإمام الخميني المتظاهرين»، قائلاً: «إن الخميني جاء بروحية ديموقراطية، لكنه سرعان ما طبّق نظاماً متسلطاً وضعه بين أيدي رجال الدين». لذا يوجه ميلاني نداءً إلى المسؤولين الأميركيين بالحذر من «الإخوان المسلمين» لعدم تكرار التجربة الإيرانية ـ الخمينية في مصر.