إسطنبول | كان الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، الحليف الاستراتيجي لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الورقة الأخيرة في مشروع الأخير بمظلته الإخوانية، قبل أن يأتي عبد الفتاح السيسي ليسقط هذا المشروع، بعد تحالف المملكة العربية السعودية معه. كأنّ صدفةً ما جعلت الرياض تقف في الخندق المعادي للإخوان بعد احتضانها لحركات الإسلام السياسي طيلة عقود. سقوط الحكم الإخواني في مصر، كان هزيمة استراتيجية لأردوغان، الذي يستعد في الأيام المقبلة للدخول إلى قصر «شنقايا» الرئاسي، مفتتحاً بذلك عهداً جديداً من الرهانات، داخلياً وخارجياً.


أراد أردوغان تعويض خسارته في مصر، وبنسبة أقل في تونس وليبيا بالبحث عن تحالفات جديدة في الشرق العربي. فما كان منه إلا أن دخل في تحالف استراتيجي مع رئيس إقليم كردستان ـ العراق مسعود البرزاني وقوى «الإخوان المسلمين»، بعدما نزل بكل ثقله في سوريا. وبات من نافل القول إن أردوغان من أوائل المتورطين في الحرب في سوريا، حين فتح حدود بلاده على مصراعيها أمام آلاف «الجهاديين» الأجانب، مسهلاً لهم دخول بلاد الشام للقتال بين صفوف «جبهة النصرة» و«داعش» بصورة خاصة. في هذا الإطار، نقلت وسائل إعلام تركية قصصا عدة عن التنسيق والتعاون بين الاستخبارات التركية والجماعات المذكورة، التي تحولت إلى قوة ضاربة على الأراضي السورية والعراقية.
وعلى الرغم من ذلك، لم يحالفها الحظ في السيطرة على مدينة حلب ـ الهدف الأساسي في المشروع التركي ـ وخصوصاً بعدما أدت أنقرة دوراً أساسياً في سيطرة الجماعات المسلحة على مدينة الرقة. وجاء قتال «داعش» ضد «النصرة» وحلفائها ليضع أردوغان وحكومته أمام حسابات جديدة، أهمُّها تعويض الخسارة في سوريا بمكاسب جديدة في العراق، وخصوصاً أن بغداد أدت دوراً أساسياً في صمود الرئيس السوري بشار الأسد بالتنسيق مع الحليف المشترك إيران. ويعرف الجميع أن رئيس الحكومة التركي، والمرشح الرئاسي، لم يرتح لها يوماً، ولا سيما مع بداية «الربيع العربي». ودفعت حسابات اردوغان الخاصة بالعراق الدولة التركية بكل مؤسساتها إلى البحث عن تحالفات جديدة، بدأت بلجوء النائب السابق للرئيس العراقي طارق الهاشمي إلى تركيا، واحتضان أردوغان له وللعشائر وللقادة السنّة العراقيين، وفي مقدمتهم رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي وشقيقه محافظ الموصل أثيل.
وعدَّ كثيرون أردوغان اللاعب الأساسي في المؤامرة التي أدت لاجتياح «الدولة الإسلامية» (داعش) في مطلع حزيران الفائت. فقد حلَّ أسامة وأثيل النجيفي وعدد كبير من زعماء العشائر السنية وشخصيات أخرى من الموصل والأنبار ضيوفاَ على أنقرة أكثر من مرة. لعلّ ذلك جاء في إطار الإعداد لما شهدته الموصل لاحقاً عبر التحالف بين «الصدّاميين» والنقشبنديين و«داعش»، وتمردوا جميعاً ضد رئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي.
ثم جاء العدوان الإسرائيلي على غزة ليسهم في صرف الأنظار لبرهة عن المؤامرة في العراق وسوريا والمحيط التركي عموماً. ولعلّ الضجة الإعلامية الضخمة التي أثارها اردوغان في موضوع غزة، تفسّر هذا الأمر، حيث إنه التجأ إلى موضوع غزة لئلا يتفوه بكلمة واحدة ضد «داعش». أراد أردوغان استغلال هجوم داعش على شمال العراق وإعلان قيام «الخلافة الاسلامية» للقضاء على الرئيسين الأسد والمالكي. هدفان، جعلا أردوغان يصمت إزاء اختطاف «داعش» لـ49 مواطنا تركيا واحتجازهم في القنصلية التركية في الموصل مع القنصل، وإصدار قرار قضائي يمنع الحديث عن الموضوع في الإعلام التركي.
كذلك تجاهل أردوغان كل ما تعرض له التركمان الشيعة في تلعفر، التي احتلها مسلحو «داعش»، بالتزامن مع احتلال قرى ونواحٍ تركمانية أخرى في ضواحي الموصل وكركوك وتكريت وديالى، طاردين أهلها منها. وقد تعرض أردوغان بسبب مواقفه هذه، لهجوم عنيف من أحزاب المعارضة التركية، التي عدّته اللاعب الأساسي في المؤامرة الخطيرة التي تستهدف سوريا والمنطقة في إطار «سايكس ـ بيكو» جديد، هذه المرة عبر الأداة الاستعمارية الجديدة وهي «داعش».
ولفت زعيم حزب «الشعب الجمهوري» كمال كليجدار اوغلو الانتباه إلى أن أردوغان، أو أي وزير من حكومته لم يجرؤ على وصف «داعش» بأنها منظمة إرهابية، في الوقت الذي تحدثت فيه وسائل الاعلام التركية عن أن أعدادا كبيرة من المواطنين الأتراك يقاتلون مع «داعش» في سوريا والعراق. كذلك اعترف نائب رئيس الوزراء بولنت أرينج بالبعض منهم شباباً أو شابات، كما يتحدث الإعلام التركي عن خلايا نائمة لهذا التنظيم في معظم المدن التركية، استعداداً للمرحلة المقبلة التي قد تضع الطرفين في مواجهات ساخنة. وأشار العديد من المحللين إلى أهمية التحالف الأردوغاني ـ الإقليمي مع مسعود البرزاني. الأخير كان ليكون، لولا قتاله «داعش»، العنصر الأساسي في المصالحة مع أكراد تركيا، التي تؤسس لمعادلة داخلية جديدة.
دور أنقرة في ما جرى تحديداً في العراق، يمكن إرجاعه إلى نيتها وضع يدها على النفط والغاز الموجود في كركوك وفي إقليم كردستان العراق، وفي كل من الموصل والمناطق الشرقية في سوريا، التي تسيطر داعش على جزء منها، فيما يسيطر أكراد سوريا على الجزء الآخر. هذا من دون أن نتجاهل مياه الفرات ودجلة، التي تتحكم فيها تركيا وتمر عبر الأراضي السورية والعراقية التي تسيطر عليها «داعش» الآن.
كانت الموصل ضمن الخرائط الأولية للجمهورية التركية، التي تأسست عام ١٩٢٣. ويقول الأتراك إن بريطانيا اقتطعتها من الخريطة التركية، في اتفاقية ١٩٢٥ في إطار التقاسم البريطاني - الفرنسي للمنطقة العربية. ولعلّ أردوغان سيكون سعيداً جداً بتقسيمها من جديد إلى دويلات عرقية ومذهبية تضمن له ولتركيا المزيد من المصالح المباشرة وغير المباشرة.
وقد يمثل وصول أردوغان إلى رئاسية الجمهورية، بعد انتخابات الأحد المقبل، فرصةً لإحياء الحلم العثماني بحماسة كبرى، وخصوصاً أنه يسعى إلى توسيع صلاحيات الرئيس.