برازيليا | قبل سنوات لم يكن لأي عاقل أن يتوقع انتقال عدوى الثورات والاحتجاجات إلى أرض السامبا لاعتبارات تتصل بالثقافة البرازيلية الحديثة التي تأسست على فكرة الجنوح للسلام وعدم التدخل في الصراعات حتى البعيدة منها. لم تتخل البرازيل يوماً عن انتقاد العسكرة والعنف، حيث إن من يَخبر الطبع الاجتماعي والسياسي يعلم أن الدولة اللاتينية الأكبر، ومنذ سقوط الديكتاتورية العسكرية في الثمانينيات، أسست لمستقبل مبني على قواعد قانونية راسخة تحاشياً للوقوع مرة أخرى تحت قبضة العسكر أو النظم التوتاليتارية.


على الرغم من التحديات الكبرى التي تواجهها البرازيل منذ انتقالها إلى فضاء الديموقراطية، وأهمها الجريمة المنظمة والفساد والفقر، إلا أنها استطاعت صوغ دستور ثابت ينظم الانتقال السياسي ويعطي الحقوق السياسية للأحزاب والتيارات تحت مسوغ النسبية. غير أن الركيزة الأساسية كانت إنشاء منظومة قضائية مستقلة شكلت مرجعية عليا في حسم الأمور القانونية والرقابة والمحاسبة.
خرجت الذاكرة البرازيلية المشبعة بمشاهد الاضطهاد السابقة إلى واحة الحرية بانتظار تأسيس الدولة الحلم التي تستفيد من المقدرات الطبيعية الهائلة والثروات التي تبدأ بحقول النفط الغزيرة في المياه البرازيلية ولا تنتهي بالإنتاج الزراعي والصناعي. وبالفعل، شهدت البرازيل نهضة عمرانية واجتماعية على الرغم من بعض المخاضات الاقتصادية. نمو كرّسه مجيء الرئيس العمالي السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي عزم على قيادة النهضة اللاتينية والخروج من التل السياسي للالتحاق بالركب العالمي إيماناً منه بأن النهوض يتلازم مع النفوذ وأن النمو الاقتصادي يحتاج إلى ما يفوق البرامج الداخلية وتحفيز الاستثمار الخارجي.
نجح لولا دا سيلفا بإبراز البرازيل دولةً نافذة، فدخل إلى منظومة «البريكس» في رحلة انسجمت فيها المصلحة مع الإيديولوجيا. وعلى الرغم من الهوة العقائدية بينه وبين طبقة واسعة من شعبه، إلا أن إنجازاته الاقتصادية وبرامجه الاجتماعية أعطته الشرعية في رسم استراتيجيته الخارجية المبنية على كسر الحياد والدخول في خضم النزاع بين الأقطاب. دخول تهيأت له الظروف الموضوعية عبر تحالف إقليمي تجسد في منظمة «أوناسور» التي جمعت الدول اللاتينية تحت مظلة سياسية واقتصادية مشتركة. والأهم، كسر قيود التبعية عبر صعود اليسار الثائر الذي حول القيادات إلى رموز تستعيد الذاكرة اللاتينية. وهو أمر لم يكن ليحصل أو لينجح أقله لولا رعاية البرازيل وتبنيها للاستقلال اللاتيني.
باتت البرازيل الجديدة التي قادها لولا دا سيلفا، ومن ثم حليفته في النضال ديلما روسيف في عين العاصفة بل في عمق الصراع. أخضعت لتغييرات بطيئة تتماشى مع العقل البرازيلي المقتنع أساساً باللعبة الديموقراطية وتداول السلطة. هو لا يؤمن بالتظاهر ورفع الشعارات التعبوية. والانتماء السياسي يعاني من أزمة عقائدية، بدليل أن البرازيل أقرت قانون الوفاء للحزبية باحتساب المقعد البرلماني أو البلدي للحزب لا للشخص، ذلك أن التبديل الحزبي يشكل ظاهرة مستشرية في المجتمع البرازيلي.
لم تكن الحكومة البرازيلية حكومة مثالية، ولم ينج حزب العمال من تورط بعض كوادره في اختلاس المال العام. كذلك لم تحقق الحكومة العمالية الثالثة الآمال الموعودة في تنشيط الاقتصاد وزيادة الخدمات الاجتماعية، خصوصاً في مجالي التعليم والطبابة. أما المفارقة، فتكمن في أن فضائح الفساد طاولت أكثر الأحزاب البرازيلية، بما فيها المعارضة التي تقود اليوم التظاهرات. والخدمات، على تواضعها، تعتبر الأفضل على مدار السنوات. لم يكن هناك مستشفيات حكومية متخصصة في العهود السابقة، ولم تكن المعاهد والمدارس والجامعات الرسمية في أحسن أحوالها، فما الذي حدث كي ينقلب المزاج الهادئ ويسامح البرازيلي من مدّ يده إلى قوته فقط لأنه خارج السلطة؟
لقد نجح الإعلام البرازيلي مرفقاً بموجة الاستثمار الإعلامي الأجنبي في صناعة التحول عبر تغيير نمط «الميديا» إلى تعبئة يومية تصور له حزب العمال كفزاعة كبرى ستنال من رزقه وحقوقه وستحول البرازيل إلى دولة دكتاتورية على نمط «حلفائها». تحولت برامج التسلية إلى السياسة واستعار الإعلام تجربة تقليد الشخصيات السياسية، وهي ظاهرة لم تكن موجودة منذ سنوات قليلة. وبدأت عملية التحضير للانقسام الاجتماعي على الطريقة الفنزويلية أو الشرق أوسطية، فنظمت التظاهرات والتظاهرات المضادة وبدأت لعبة «الزوم إن» و«الزوم أوت». كذلك احتلت الشتائم شبكات التواصل الاجتماعي وبدأت النكايات والتحديات والنتيجة انقسام عمودي بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.
تجربة تشبه تجارب العالم الذي كان يسخر منه البرازيلي يوماً ويتهمه بالجنون من دون أن يدري كل الحالمين بالربيع أن البرازيل بلد مؤهل لحرب أهلية مستديمة، خصوصاً أنها تضم حتى الساعة منظمات إجرامية لا يستهان بها وغرق في السلاح غير الشرعي. والأخطر اتساع الهوة بين الفقراء الذين يشكلون غالبية الشعب البرازيلي وبين الطبقة الغنية التي بدأت تنفخ في نار ثورة شبيهة بثورات الجنون العربية والتي إن أتت ستجهز على البرازيل، وبهذا تكون قد نالت جزاء المواجهة مع «الكبار».