حملت جريمة قتل المعارض الروسي، بوريس نيمتسوف، نقاط استفهام وتعجّب كثيرة، قد يكون أبرزها مبنياً على الطابع الاستعراضي الذي أحاط بها، والنابع من اختيار المخطّطين والمنفذين جدران الكرملن و«الساحة الحمراء» كخلفية لمشهد الحادثة التي استقطبت ردود فعل دولية. ومن المتوقع أن يكون لهذه الجريمة ذيول وآثار على الحكومة الروسية، على المدى البعيد، خصوصاً وسط تغيّر قواعد لعبة المواجهة بين الغرب وروسيا، وفي ظل صعوبة معرفة القاتل لكثرة الجهات المستفيدة من هذه الجريمة.


بينما كان نيمستوف يتنزه مع شابة قادمة من أوكرانيا على أنها صديقته، أصابته أربع رصاصات من أصل 6 أو أكثر في الظهر، اختارها منفذو الجريمة بعناية من مصادر مختلفة. بعد تنفيذ الجريمة، استقل القاتل سيارة بيضاء أقلعت به مسرعة، بحسب ما أشار شهود عيان ودلّت عليه كاميرا مراقبة. ولكن ما يصعّب عملية الكشف عن القاتل هو أنّ من المرجّح أن يكون المسدس المستخدم من نوع «ماكاروف» الذي يتّسع مخزنه لسبع طلقات والذي ينتشر بكثرة بين الناس.
وأفادت لجنة التحقيق في موسكو، في بيان، بأنه «لا شك في أن هذه الجريمة تمّ التخطيط لها بدقة تماماً مثل المكان الذي تم اختياره للقتل» على الجسر الكبير قرب الكرملن. وأضافت أن «السلاح الذي استخدم على ما يبدو هو مسدس من نوع ماكاروف»، وهو سلاح تستخدمه قوات الأمن والجيش ومنتشر بشكل كبير. وذكرت اللجنة أن «بوريس نيمتسوف كان متوجهاً مع رفيقته إلى شقته الواقعة في مكان غير بعيد، ومن المؤكد أن مرتكبي الجريمة كانوا على علم بمساره». وأوضحت المتحدثة باسم وزارة الداخلية الروسية، ايلينا اليكسييفا، أن «سيارة اقتربت منهما عند الساعة 23,15 وأطلقت النار، مما أدى إلى إصابته بأربع رصاصات في الظهر ومقتله».
نيمتسوف يهودي روسي من مواليد عام 1959، دخل السياسة خلال ولاية الرئيس بوريس يلتسن، وكان عضواً في مجلس الدوما. كذلك عيّنه يلتسن، ما بين 1999 و2003، في مناصب حكومية عدّة، ثم أزاحه الرئيس فلاديمير بوتن عن المشهد السياسي، لدى توليه سدّة الرئاسة، فدخل لعبة الأحزاب المعارضة اليمينية المتضرّرة من أفول زمن يلتسن.
اعتاد نيمتسوف التردّد على إسرائيل، شهرياً، حيث كان يمتلك بيتاً فخماً في إيلات. ولم تستثن المصادر الأمنية احتمال ارتكاز الجريمة على دوافع شخصية أو نسائية أو مالية اقتصادية، إضافة إلى خيوط مرتبطة بالأزمة الأوكرانية عن طريق المافيات المستفيدة منها، وعلى خلفيّة نشاطات نيمتسوف المتشعّبة والمشبوهة.
المفارقة، أن مقتل نيمتسوف أتى عشية تنظيم المعارضة الروسية تظاهرة الأول من آذار في العاصمة موسكو، التي سمحت السلطات الروسية بخروجها في العاصمة، وسط توقعات مراكز استطلاع رأي في ضعف قدرة تلك المعارضات على حشد آلاف المشاركين، لا سيما بعد تضامن شرائح واسعة من الرأي العام الروسي مع الرئيس بوتن على خلفية مواقفه وسياسته من أزمة شرقي أوكرانيا.
ولكن نيمتسوف، وباعتراف خصوم له في السياسة، شخصية جذابة تتحلى بمقدرة على الحشد الشعبي وتقليب شريحة من الرأي العام، فأصبح كبش فداء كانت قد حذّرت أوساط استخبارية من إقدام قوى خارجية منزعجة من سياسة روسيا الخارجية على القيام بالتضحية به وغيره من رموز المعارضة. فقبل ساعات على اغتياله، دعا نيمتسوف الروس، عبر إذاعة «صدى موسكو»، إلى التظاهر، الأحد، ضد ما وصفه «بعدوان فلاديمير بوتن» في أوكرانيا، إلا أن هذه التظاهرة قد ألغيت لتنظيم مسيرة تكريماً لذكرى المعارض، وبالتالي لتحويل تظاهرة المعارضة الروسية الموالية للغرب إلى مأتم واعتصام مستمر بهدف خلق بلبلة وسط الشارع الروسي.
وشارك عشرات الآلاف في المسيرة التي جالت، أمس، في وسط موسكو تكريماً لذكرى نيمتسوف. وتدفق الآلاف الذين حمل العديد منهم الأعلام الروسية واللافتات، إلى ساحة في موسكو، ليتوجهوا بعدها إلى الجسر الذي قتل عنده نيمتسوف، قبل منتصف ليل الجمعة السبت. وكتب على عدد من اللافتات: «قتل من أجل مستقبل روسيا» و«حارب من أجل روسيا حرة». وفيما ذكر المنظمون أن نحو 70 ألف شخص شاركوا في التظاهرة، إلا أن الشرطة قدرت عدد المشاركين بنحو 16 ألفاً. وفي مدينة سان بطرسبورغ، ثاني أكبر مدن روسيا، شارك نحو ستة آلاف شخص في مسيرة، لفّ فيها بعضهم علم أوكرانيا على نفسه.
وفي إطار ردود الفعل السياسية الداخلية، فقد تعهّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، السبت، بأن يبذل كل الجهود لمعاقبة قتلة نيمتسوف الذي سبّب قتله صدمة لدى القادة الغربيين والمعارضة الروسية، بينما رأى فيه حلفاء الكرملن «عملاً استفزازياً» يهدف إلى «زعزعة استقرار» البلاد.
ودعا بوتن، في رسالة وجهها إلى والدة نيمتسوف، إلى بذل كل الجهود اللازمة «لينال مخطّطو ومنفّذو هذه الجريمة البشعة العقاب الذي يستحقونه». وأكد أن مقتل المعارض الشهير خسارة لا تعوّض، مشيراً إلى أنه «ترك بصماته على تاريخ روسيا، في الحياة السياسية والعامة». وأضاف أن نيمتسوف الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء خلال رئاسة بوريس يلتسن في التسعينيات، «تولى مناصب مهمة خلال فترة انتقالية صعبة لبلادنا». ولفت الانتباه إلى أنه «عبّر دائماً عن مواقفه بكل صراحة ونزاهة، ودافع عن وجهة نظره».
وفي المقابل، أثار مقتل نيمتسوف استنكاراً كبيراً في الغرب الذي دان قادته «جريمة القتل الوحشية» و«الجبانة»، ودعوا إلى «تحقيق سريع وموضوعي وشفاف».
واستنكر الرئيس الأميركي باراك أوباما اغتيال بوريس نيمتسوف، معتبراً أنه عمل «وحشي» و«آثم». وقال أوباما: «ندعو الحكومة الروسية إلى تحقيق سريع وموضوعي وشفاف في ملابسات مقتله، والتأكد من إحالة المسؤولين عن عملية القتل الآثمة هذه على القضاء».
وكان مجلس الأمن القومي الأميركي كتب في «تغريدة» على موقع «تويتر» أن اغتيال نيمتسوف «جريمة وحشية»، مطالباً الحكومة الروسية بفتح «تحقيق نزيه وشفاف» في الواقعة.
من جهته، صرّح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بأن مقتل نيمتسوف «صدمه وأحزنه» وأشاد بدوره في روسيا. وقال إن «بوريس نيمتسوف كرّس حياته من أجل روسيا أكثر ديموقراطية وازدهاراً وانفتاحاً، ومن أجل علاقات قوية بين روسيا وجيرانها وشركائها، بما في ذلك الولايات المتحدة».
كذلك، دان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند «الاغتيال الدنيء» لبوريس نيمتسوف، مشيداً بـ«المدافع الشجاع بلا كلل عن الديموقراطية»، فيما عبّرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن «استيائها» بعد الاغتيال الذي وصفته بـ«جريمة قتل جبانة»، ودعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتن إلى العمل على كشف ملابسات الاغتيال.
وأعربت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، عن «سخطها لجريمة القتل الوحشية» التي تعرض لها نيمتسوف، داعية السلطات إلى فتح تحقيق «شامل وسريع وشفاف».
أما أوكرانياً، فقد وصفه الرئيس بترو بوروشنكو «بالصديق» و«الجسر بين أوكرانيا وروسيا». ودان حزب رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة، يوليا تيموشنكو، «القتل الوحشي لأحد أندر الديموقراطيين والسياسيين العاقلين في روسيا»، مشيراً إلى أنه «لم يكن يخشى انتقاد نظام فلاديمير بوتن».
(الأخبار، أ ف ب)