strong>يؤرّق روسيا منامٌ مزعج، لا يزال يعكّر محاولتها استعادة صفوتها. حلمٌ عمره من عمر انهيار الاتحاد السوفياتي، دخل في تفاصيل روسيا الجديدة التي قادها بشكل أساسي فلاديمير بوتين، فباتت أكثر خشية على انهيار إمبراطوريتها خوفاً من استمرار ما قد بدأه الماضي. وكلما خطت دول الاتحاد السوفياتي السابق خطوة نحو الغرب ازداد رعبها


ربى أبو عمو
لم يقم الاتحاد السوفياتي السابق على ثلاثية مقوّمات الدولة التي حدّدها القانون الدولي، وهي الأرض والسكان والحكومة. بل كان سرّ توليفته قائماً على تغذية مفهوم القومية، فكانت اللغة إحدى ركائزها الأساسية، التي سعت موسكو إلى عولمتها أو نثرها في كل أرجاء الاتحاد، إيماناً منها بقدرة «التوحيد» على تأمين الاستمرارية. ومن خلال اللغة، ربطت موسكو ثقافة جميع البلدان المنضوية في سياق الاتحاد بالثقافة الروسية، حتى لا يكون الفراق سهلاً في الغد.
جاء الغد الذي تلى انهيار هذا الاتحاد. رويداً رويداً، بدأت غالبية دول الاتحاد السوفياتي السابق بالبحث عن هوية خاصة، «غربنة» تنئيها عن مظلة روسيا، انطلاقاً من مقوّمات الدولة. فبعدما باتت عناصرها الثلاثة مؤمنة بالنسبة إلى الغالبية، بقي التخلّص من اللغة الروسية، التي بدأت تتحوّل في معظم هذه البلدان إلى لغة ثانية.
لم يخطئ الرئيس الأوكراني فيكتور يوتشينكو حين علّق حبل السرة بين سطوة اللغة الروسية على دول الاتحاد السوفياتي السابق واستمرار روسيا، إذ قال في إحدى المرات «حين تنتهي اللغة الروسية، تنتهي روسيا»، من دون أن يكون مقصده سلبياً ربما. فأوكرانيا، إحدى الجمهوريات السوفياتية الساعية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لا تزال تربطها معايير اقتصادية أساسية بموسكو، ستدفعها دوماً إلى استخدام لعبة الإطراء تجاهها.
القضية إذاً هي اللغة. همٌّ لا يبرز كثيراً في الصحافة الروسية رغم الأرق الذي يسببه للإدارة، التي اتخذت على أساسه قراراً منذ أيام بالعمل حتى النخاع لجعل «الروسية» لغة رسمية في كل دول الاتحاد السوفياتي السابق.
أثار القرار الروسي هذا مجموعة من ردود الفعل. فالمتحدث باسم منظمة الـ«كومنولث» الروسية، فلاديمير زاريخين، رأى أنه «إذا قررت أي دولة الاعتراف باللغة الروسية لغة رسمية، فهذا شأن داخلي». دفعه إدراكه لخطورة إعادة فرض اللغة الروسية على دول الاتحاد السوفياتي السابق إلى المطالبة بعدم تسييس هذه القضية، فهي على حدّ قوله «مهمة إنسانية. دراسة اللغة والثقافة الروسيّتين هي إحدى الطرق للدخول في الثقافة العالمية». كأنه بذلك أراد مساواة اللغة الروسية بغيرها من اللغات العالمية، من دون أن تكون معرفتها إلزامية.
أما المتحدث باسم مركز الأبحاث الاستراتيجية، سيرغي ميخاييف، فكان أكثر قلقاً، إذ قال إن «الوضع بات أسوأ في السنوات الخمس الأخيرة. القوات القومية في بعض البلدان تحارب للابتعاد عن روسيا، عن لغتها وثقافتها قدر المستطاع».
هذا واقع عكسه رفض معظم الجمهوريات السوفياتية السابقة الاعتراف بالروسية لغة رسمية. في جورجيا، بدأت الحركات القومية بالسعي إلى التخلص من هذه اللغة، حتى إن الجيل الجديد بات بغالبيته لا يتكلم أو يفهم الروسية، التي «غدت لغة نخبوية».
لا ترى جورجيا سبباً لدفع مواطنيها إلى تعلم الروسية. كما أن الشركات، حتى الروسية منها، لا تشترط على موظفيها اتقان الروسية. وكنتيجة، يبدو صعباً على الطلاب الجورجيين في المستقبل الذهاب إلى روسيا أو دخول جامعاتها، الأمر الذي يكرّس الطلاق.
يختلف الأمر في أوكرانيا بعض الشيء. نحو 50 في المئة من السكان يتكلمون الروسية. إلّّّّا أن يوتشينكو اعترف بعدم استعداده لتمويل دعم استمرارية اللغة والثقافة الروسيتين في بلاده، بل هو يسعى اليوم إلى تكريس اللغة الأوكرانية، تمهيداً لتحوّل الروسية إلى لغة ثانية.
في المقابل، وكنظرة أوّلية، تبدو حكومات تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان أكثر انشغالاً بمشاكلها الاقتصادية. إلّا أن عدد متحدّثي اللغة الروسية في طاجيكستان لم يكن كبيراً أصلاً خلال عهد الاتحاد السوفياتي. لكن الهجرة إلى روسيا بدافع العمل دفعت الكثيرين إلى تعلّم لغتها. كما أن غالبية أهالي هذا البلد يرغبون في تعليم أولادهم في مدارس روسية، كنتيجة طبيعية للرابط الاقتصادي بين طاجيكستان وروسيا، ليظهر أن استمرار اللغة جاء صدفة.
ورغم الصداقة السياسية التي تكنّها أرمينيا لروسيا، إلاّ أن اللغة الروسية بدأت بالاندثار، حتى إن يريفان منعت بث بعض برامجها التلفزيونية بالروسية. ويمكن القول إن غالبية السكان في مولدوفا وأرمينيا يرغبون في التعلّم في الاتحاد الأوروبي.
بدء عملية «انقراض» اللغة الروسية يظهر في العديد من الدراسات، إحداها قامت بها مؤسسة «أوراسيا» العام الماضي. قالت إن دول الاتحاد السوفياتي السابق التي تشهد فيها اللغة الروسية تراجعاً حقيقياً هي جورجيا وليتوانيا واستونيا وأذربيجان. فغالبية السكان في هذه الدول الأربع لا تتكلم الروسية في منازلها، ونادراً ما تستخدمها في العمل. أما في روسيا البيضاء، فلا تزال الروسية هي اللغة الرسمية المعتمدة.
روسيا عملت على توحيد دول الاتحاد السوفياتي السابق في إطار الهوية والثقافة واللغة الروسية، إلا أن اتفاقية الـ«كومنولث» التي وقّعها قادة دول الاتحاد السوفياتي السابق في كانون الأول من عام 1991، رفضت وجود مؤسسات فوق السلطة الوطنية لهذه الدول، وألزمت الموقّعين عليها احترام حدود الدول الأخرى، إلّا أنها لم تلزم استمرارية اعتماد اللغة الروسية لغة رسمية في هذه البلاد. وها هي روسيا اليوم تدرك أن العد العكسي لزعزعة هويتها قد بدأ.