قبل نحو أسبوعين، كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يستقبل في قصر إليزيه رئيس وزراء إحدى الدول العربية. حاول المسؤول الحكومي العربي استهلال مقابلته بملاحظة تودّدية، فراح يروي لخليفة شارل ديغول كيف أن والده وعائلته لم يكونا يحبّان فرنسا، ولا يستسيغان العلاقة مع المسؤولين الفرنسيين، مفسراً ذلك بالتناقض العميق بين تاريخ عائلته العروبي الإسلامي، وماضي فرنسا الاستعماري الانتدابي في المشرق، قبل أن يتابع رئيس الوزراء العربي مبتسماً وحده: «إلى أن جاءت حقبة السبعينيات، وتبدّلت السياسات والاتجاهات.


فزار والدي ذات يوم سلفك جورج بومبيدو، متصالحاً مع فرنسا وسياساتها العربية والإسلامية، وليسمع من الرئيس الفرنسي الراحل ترحيباً به بالقول: أهلاً وسهلاً بك في فرنسا المحبة للعرب والمسلمين، والمفتوحة لهم». لم يكد رئيس الوزراء العربي ينهي روايته، حتى رأى وجه الرئيس الفرنسي هولاند ينقبض ببسمة مصطنعة، ويكظم ردّ فعل فورياً، قبل أن يعلق على رواية ضيفه قائلاً له: «الأكيد أنك لن تجد في فرنسا اليوم من يكرر لك هذا القول!».
فجأة ساد صمت ثقيل بين الرجلين. ثوان ممّا لا يقال، فاضحة لكل المكبوتات والمحرمات والمحظورات، قبل أن يتخطياها الرجلان سريعاً بالهروب إلى جدول أعمال لقائهما السياسي المقرر مسبقاً. بعد المقابلة، لم يكشف المسؤول الحكومي العربي تلك الملاحظة القاسية التي سمعها من مضيفه. وقبل المقابلة كما بعدها، لم يجرؤ رئيس فرنسا على التعبير عن تلك الملاحظة، لا علناً ولا سراً، لا أمام ضيف ولا أمام مواطن. إنه الإنكار المزدوج. إنها اللحظات السرية التي تفسر في مكان ما لماذا قتل صحافيو «شارلي ايبدو» في قلب باريس أمس. مجرد محاولة تفسير، لأن لا شيء في العقل أو المنطق أو الحق أو الخلق، يمكن أن يبرر تلك الجريمة البشعة الوحشية.
منذ عقود، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، يعيش الغرب الرأسمالي وأنظمة الاستبداد النفطي ـ الإسلاموي حالة من الإنكار المزدوج، على خلفية ضمان مصالحهما المشتركة. الغرب ينكر ما يدركه تماماً، من أن خطر الإرهاب الإسلاموي الذي يستهدفه، هو نتاج مباشر لتلك الأنظمة التي يتعايش معها في نظام من الزبائنية الدولية الكاملة. وفي المقابل، تنكر أنظمة الاستبداد النفطي ـ الإسلاموي أن هذا الإرهاب هو من صنع فكرها ونهجها وسياساتها، وترفض الاعتراف بأن ثقافة قتل «الآخر» منبثقة في الأساس من حاجتها المصيرية والدائمة إلى تبرير استبدادها وتبذير ثرواتها وتبديد حيوات شعوبها وتأبيد حياة تسلطها وجور حكامها.
هكذا ولدت متلازمة الإنكار المزدوج، من أجل تأمين المصلحة المزدوجة: الغرب الرأسمالي يعرف أن داعش والقاعدة ومثيلاتهما، هما في الفكرة والواقع، صنيعة تلك المافيات النفطية العائلية المسماة مشيخات وإمارات ومملكات، لكن الغرب نفسه يقبل بتلك المعادلة الجهنمية القائمة خلف هذا الواقع. فهو في حاجة إلى أموال تلك المافيات النفطية، تتدفق بلا رقابة ولا شفافية على أسواقه ومصارفه ومؤسساته وأحزابه. وهو يعرف أن تلك الإيديولوجيات التيوقراطية الاستبدادية، ضرورة لاستمرار تلك الأنظمة. من دونها يسقط حكام التريليونات المكدسة في عواصم الغرب وثرواته. ومن دون تلك التريلونات، يتغير الكثير في نظام الغرب الراهن. هكذا يسلم حكام الغرب بمعادلة الدم والإرهاب. يبسطون المعادلة أكثر: ذلك الديكتاتور حاجة لثروتنا، واستغلاله للدين بشكل تيوقراطي حاجة لبقائه. أما الإرهاب الفردي فهو من «الأضرار الجانبية» لتلك المعادلة الضرورية لسلطتنا وسلطته. من دون الاستثمار في الأصولية الإسلاموية لا يمكن لحليفنا أن يصمد حاكماً. ومن دون حكمه لا يمكن لأسواقنا أن تصمد في رفاهها وفحش ثرواتها. ما هو الثمن لتلك اللعبة؟ بضعة قتلى كل فترة، على أيدي «موتورين» أو «مختلين» أو «مضللين»؟ يمكن لأنظمة الغرب أن تحتمل سداد ثمن كهذا. لا بل يمكن لها أن تحول هذا الثمن المفروض باباً لاستثمار جديد: حرب ضد الإرهاب وتجارات أسلحة ونوافذ لأسواق صناعات حربية... فتقفل الدائرة الجهنمية: الحاكم النفطي الإسلاموي يُنتج مالاً ودماً. المال يذهب إلى صناديق الغرب. الدم يعاد تدويره صناعة سلاح وتجارة حمايات. السلاح والحماية الغربيّان يضمنان بقاء الحاكم النفطي، فيبقى معه الإرهاب وتستدام معه معادلة «الأعمال كالعادة».
عشية عيد الميلاد، تداعى الدواعش و«القواعد» إلى «ضرب الكفار في تظاهراتهم الصنمية والوثنية». وصدرت الفتاوى بمنعهم من الاحتفال، بأي وسيلة. ولو بدهسهم بسيارة. فجأة في 21 كانون الأول الماضي، اجتاحت سيارة في مدينة ديجون الفرنسية معرضاً ميلادياً، موقعة 13 جريحاً. في اليوم التالي حادثة مماثلة في مدينة فرنسية أخرى هي نانت، حصيلتها عشرة جرحى. الاثنين حادثة اعتداء بالسكين في جوي لي تور الفرنسية أيضاً، وجريحان. السبت 29 دهس جديد في بروكسل... لكن في التقارير الرسمية كلها حوادث متفرقة، غير متصل بعضها ببعض. مرتكبوها بين مختل ومريض نفسي وصاحب سوابق ومحتج على زحمة السير!
هذا الإنكار المزدوج هو بعض المسؤولية عن سقوط شهداء الكلمة في «شارلي ايبدو». أما المجرم فمن صنع لنفسه ربين اثنين: إلهاً قاتلاً، ومالاً جانياً. يعبد المال ويستثمر الله، وينكر الاثنين والأمرين معاً.