ليست عرسال خارج لبنان. لكن موقعها الأوضح هي أنها في قلب الأزمة السورية. منذ الأيام الأولى لاندلاع المواجهات المسلحة في سوريا، الى مرحلة المواجهات المباشرة بين المجموعات المسلحة ومقاتلي حزب الله، صارت عرسال مقراً ومعبراً لتجمع وانتقال المقاتلين والأسلحة. ترافق ذلك مع نزوع غالبية أهلية في البلدة نحو موقف داعم بقوة لمعارضي الرئيس بشار الأسد. ولم نشهد أي نقاش نقدي أو مراجعة للموقف، إلا بعد تراجع نفوذ المعارضين السوريين في المنطقة القريبة من عرسال.


لكنها مراجعة لا تقوم على قراءة كل ما يحصل. وهو أمر لم يكن ليتوقع أحد أن يقلب الصورة في البلدة، التي وقعت عملياً تحت نفوذ المجموعات المسلحة السورية، وفيها يعيش نحو مئة ألف نازح سوري، ما يوازي أربعة أضعاف عدد أبناء البلدة من اللبنانيين.
بإمكان أي من أبناء عرسال الحديث مسبقاً عن الموقع الجغرافي الذي يحول دون انسحابها من المعركة، وخصوصاً أنه يستحيل على أحد الادعاء بإمكان السيطرة على نحو 500 كلم مربع، ذات طبيعة جبلية خاصة ومعقدة، وتربطها بسوريا طرقات رسمية وغير رسمية، كانت على الدوام تحت سيطرة فئة ممن يحتالون على القوانين في لبنان وسوريا، ويقودون أكبر عمليات تهريب بين البلدين. حالها، حال غالبية البلدات اللبنانية المحاذية للحدود مع سوريا.


عميل من يريد انسحاب الجيش من عرسال وترك البلاد ضحية حرب مذهبية
واقع عرسال اليوم يقول لنا صراحة إنها تحت سيطرة المجموعات المسلحة السورية، وإن إخراج هؤلاء من البلدة وجرودها يتطلب معركة غير سهلة. ويصعب توقع نتائج حاسمة لها خلال وقت قصير. وهذا ما يدفع الى الاعتقاد بأن الجيش لا يمكنه حسم الأمر بسهولة، وهو إن لم يطلب بالطريقة التي تناسبه، دعماً مباشراً، من الجيش السوري ومن قوات حزب الله، سيواجه مشكلة كبيرة، وخصوصاً أنه يعاني ضائقة جدية على مستوى الإمكانات العسكرية، كما على صعيد العمل الاستخباري الضروري في مثل هذه الحالات. فيما يتمتع خصومه بخبرات عسكرية كبيرة، مرفقة بتوجهات عقائدية تستدعي التضحية بكل شيء. وبالتالي، من غير المنطقي توقع معركة سريعة وحاسمة من قبل الجيش ضد المجموعات هناك. فكيف، وكلنا يعرف، أنه ليس لدى الجيش ما يكفي من الدعم السياسي واللوجستي والأمني الذي يؤهله لربح هذه الجولة. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب التعويل على العواطف الوطنية. فكيف الحال، ونحن نرى تخبطاً على أكثر من صعيد.
لكن كل المعركة تبقى رهن الموقف السياسي اللبناني، أي رهن التوافق اللبناني ــــ اللبناني على أهمية إمساك الجيش، القوي والكامل والمباشر، لا ببلدة عرسال فقط، بل بكل المنطقة التي لا تزال تشكل عنصر تماس مع الأزمة السورية، ولا سيما في جانبها العسكري. وهنا تبرز الأسئلة الصعبة:
ــــ ماذا عن موقف تيار المستقبل الذي تتسع الهوة يوماً بعد آخر بين موقفه السياسي العام، وبين سلوك قواعده ومناصريه. وإذا كان الرئيس سعد الحريري قد أبلغ قائد الجيش العماد جان قهوجي تغطيته لكل ما يريد الجيش القيام به، فإن مساعدي الحريري من وزراء ونواب وقيادات مدنية وغير مدنية يتصرفون بطريقة مختلفة. وهم لا يتبنون فعلياً خطة الجيش للمواجهة، بل يقولون، علناً أو سراً، إنهم يرفضون خوض الجيش معركة الإمساك بهذه المنطقة. وهؤلاء، يعبّرون عن الانفصام القائم بين موقف المستقبل السياسي وبين سلوكه على الأرض، وخصوصاً أن المداخلات أظهرت خلال الساعات الماضية ميلاً واضحاً لدى هذه الدوائر نحو طلب وقف عمليات الجيش في عرسال. وبين مساعدي الحريري، أو العاملين تحت وصايته المباشرة، من يطلب من الجيش عدم التدخل في ملف المعارضين السوريين في عرسال ومحيطها، وكأن هؤلاء، يقولون إنه في حال كانت هناك مشكلة، فليبتعد الجيش عنها؟ فما الذي يريده هؤلاء: هل تناسبهم حرب طائفية ومذهبية مباشرة بين البلدة ومحيطها، حتى تتحقق طموحاتهم باعتبار ما يجري استهدافاً لأهل السنة في لبنان؟
ــــ ماذا عن موقف حشد الشخصيات التي تعتبر نفسها في موقع التمثيل الديني، والتي تتشكل وتتحرك على شكل علماء دين وتجمعات إسلامية وجمعيات خيرية وخلافه. فهل علينا أن نصدق أن كل هؤلاء باتوا يرون مستقبلهم السياسي في رفع مستوى الاعتراض الى حالة من التمرد، تقود بعض المناطق اللبنانية، ومنها عرسال ومناطق في البقاعين الأوسط والغربي، لتتحول الى مناطق خاضعة لوصاية شبيهة بما هو قائم في بعض مناطق سوريا والعراق؟
التجارب تشير الى أن الجيش غير قادر على التراجع، وإلى أن هناك قوى كثيرة في لبنان، في مقدمها حزب الله والتيار الوطني وقوى في 8 آذار ــــ وانضم إليهم حديثاً النائب وليد جنبلاط ــــ لا يمكنها تحمّل رقة ثانية أو موصل ثانية. وبالتالي، فإن مستقبل مواجهة عرسال وارتداداتها، رهن سلوك مباشر لتيار المستقبل، ومن خلفه قوى إقليمية ودولية. وإذا ما لم يتدارك هؤلاء الوضع الحالي، فسيتحولون الى أدوات غير قابلة للصرف، حتى داخل إمارة لبنان في دولة الخليفة البغدادي؟