عامٌ مضى منذ إعلان «الدولة الإسلاميّة» قيام «دولة الخلافة»، وتعيين زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي «خليفةً على المسلمين». وعلى الرّغم من أن هذا العام شهد إلحاق هزائم بالتنظيم، هي الأولى من نوعها منذ ظهوره على مسرح المنطقة في حلّته الجديدة «الدولة الإسلاميّة في العراق والشام»، غيرَ أن «داعش» أفلح في الالتفاف على تلك الهزائم ليستهلّ «عام الخلافة الثاني» بقدر كبير من استعادة التوازن عسكريّاً، وإعلاميّاً. وباستثناء الفترة الممتدّة بين تشرين الثاني 2014 (معركة جرف الصخر في العراق)، وكانون الثاني 2015 (انتهاء معركة عين العرب الأولى في سوريا، وتحرير القوات العراقية محافظة ديالى) يمكن القول إن مؤشرات قوة «داعش» استمرّت في الصعود.


صحيحٌ أنّ القوّات الكرديّة ألحقت بعدَها خسائر متتالية بالتنظيم في ريفي حلب والرّقّة، لكنّ تلك الخسائر في جوهر الأمر امتداد طبيعي لمعركة عين العرب. وصحيح أنّ كل الهجمات التي شنّها التنظيم ضدّ مواقع الجيش السوري في دير الزور مُنيت بالفشل حتى الآن، (الأمر الذي تكرّر في الحسكة مرّات عدّة، وفي محيط حقل شاعر في ريف حمص)، غيرَ أنّها انكفاءات في خضم معارك كرّ وفر لا تزال مفتوحة.

ليس من المبالغة القول إن
«دولة الخلافة» كانَت أبرز نِتاج
أفرزته موجة «الربيع العربي»
وجاءت التطوّرات الأخيرة في كل من الحسكة، وعين العرب بمثابة مسامير إضافية في نعش شهور انكفاء «داعش» على الساحة السوريّة. أمّا العمليات الإرهابيّة التي هزّت دولاً عدّة أمس، فتأتي بمثابة مقدمة لمرحلة جديدة، يريد منها «داعش» أن تكونَ «درّة تاج الخلافة»، ويحقق عبرها وعوده المتتالية بـ«غزو العالم».

مثلّث «داعش»... وتكرار السيناريو

مثل أي دولة تجيد استخدام أدواتها في الحروب، أجاد «داعش» استخدام مثلث المال، العسكرة، والإعلام. ويعتبر «الاكتفاء الاقتصادي» الذي حقّقه التنظيم أخطر إنجازٍ له خلال العامين المنصرمين. وإذا كانت بدايات دخول «داعش» المسرح السوري قد اعتمدَت في الدرجة الأولى على دعم مالي قطري، فإن التنظيم أفلح لاحقاً في رسم خريطة «تمدّده» باستراتيجيّة تتيح له السيطرة على موارد ماليّة، ومخزون أسلحة تضمن له من الاكتفاء ما يحلم به أي تنظيم مشابه. لكن الاستيلاء على منابع النفط السوري، والاتجار بالآثار، وما شابهَ ذلك من عمليات «اقتصادية» لا يمكنها أن تتم من دون تعاون إقليمي يتجاوز غض النّظر، وخاصة أن الحديث هنا لا يدور حول عمليات تهريب متفرقة بين وقت وآخر، بل عن آليات «تصدير» مستدامة. وبات معلوماً أن الأراضي التركية تلعب الدور الرئيسي في هذا المضمار. كذلك، ضمنت الانهيارات المفاجئة للجيش العراقي في كثير من المواقع (وعلى نحو أقل للجيش السوري) سيطرة «داعش» على أسلحة وذخائر تتيح له الاستمرار في تسليح «مجاهديه» لخوض «غزواته» المتلاحقة.
على نحو لا يقل خطورة، لعبت «الماكينة الإعلاميّة» للتنظيم دوراً بارزاً في توطيد دعائم قوّته. فـ«إعلام الخلافة» كان حاضراً دائماً لمواكبة المعارك، وتغطية الانتصارات، وشدّ عزيمة «البيئات الحاضنة» في أوقات الانكسارات. ثمّة مثالان بارزان في هذا المضمار: الأوّل، قضيّة إحراق الطيّار الأردني معاذ الكساسبة في شباط الماضي، التي جاءت في مرحلة عانى فيها التنظيم من انكسارات متتالية. والثاني، الإصدار المرئي «وإن عُدتم عدنا» الذي بثّه التنظيم قبل أيام، ويظهر قيامه بتنفيذ إعدامات وحشيّة ومبتكرة (الإغراق، التفجير... إلخ). أضلاع المثلث المذكور أفلحت في ضمان تغذية التنظيم بالعنصر البشري اللازم لاستمراره، وخاصة في ظل الاستناد إلى قاعدة فعّالة جدّاً هي «القاعدة الشرعيّة».
وفي معظم المناطق المدنيّة التي دخلها «داعش»، تشابهت السيناريوات: تتغلغل «الخلايا الأمنية للتنظيم» أوّل الأمر، مدعومةً بتمويل مالي مفتوح، لتضمن زرع «خلايا نائمة» تُسهّل الدخول العسكري لاحقاً. وبعد السيطرة، يتزايد دور «الشرعيين»، ويأخذ هؤلاء على عاتقهم تحويل المناطق الجديدة إلى «بيئات حاضنة» تضمن تنسيب أكبر عدد ممكن من المقاتلين إلى صفوفه. ويتم إخضاع هؤلاء لدورات «شرعيّة»، ثمّ عسكرية «جهاديّة»، قبل أن يصبحوا رسميّاً «جنوداً في دولة الخلافة».

اللعب على وتر التناقضات

منذ عام 2013، هيمن «داعش» على واجهة الأحداث في المنطقة، وليس من المبالغة القول إن «دولة الخلافة» كانَت أبرز نِتاج أفرزته موجة «الربيع العربي». لا يعني هذا بالضرورة تكرار معزوفة «المؤامرة»، بقدر ما يشير الى أهمية تربة الفوضى لنشوء الظواهر المشابهة وترعرعها. ومن الواجب التذكير هُنا بأن التنظيم المتطرّف لم يولَد في ظل «الرّبيع»، بل كانت الولادة نتاجاً لمرحلة سابقة من الفوضى ولّدها الاجتياح الأميركي للعراق، وما تبعَه من تحوّل الأخير ساحةً مفتوحةً للصراعات الإقليميّة والدولية.
على نحوٍ مشابه، بدت الحرب السوريّة فرصةً مواتيةً أحسنَ «داعش» استغلالَها، لتتحوّل إلى استثمار ناجح (حتى الآن)، وعلى مختلف الصّعد: اقتصادياً، عسكرياً، و«عقائديّاً». أفلح التنظيم المتطرّف في تسخير تناقضات المنطقة لصالحه، مستفيداً من ظروف نشأته (ولاحقاً «تمدّده»). ظروفٌ حوّلته إلى ما يشبه «شركة مساهمة مغفلة» تتشارك فيها أجهزة استخبارات وجهات إقليمية ودولية، تتقاطع مصالحها حيناً، وتتضارب حيناً. وإذا كان صعود «الدولة الإسلاميّة» في بواكيره قد مثّل للدولة السورية وحلفائها فرصةً لتقويض نفوذ المجموعات المسلّحة التي لا يجدُ المعسكر الآخر حرجاً في دعمها وتسويقها تحت مسمى «المعارضة المعتدلة»، فإن ذلك الصعود كانَ في مصلحة المناوئين وللأسباب ذاتها.
بعبارة أخرى، فإن التسويق لفصيلٍ مثل «جبهة النصرة» على أنّها «كيانٌ أقرب إلى الاعتدال يمكن تطويعه» ما كانَ ليتمّ في ظل غياب الآخر المتوافَق على فظاعة إرهابه، وهو هنا «داعش» بطبيعة الحال. في الوقت نفسه، كانَ «تمدّد» التنظيم مقدمةً مناسبةً لتشكيل «التحالف الدولي»، مع ما يعنيه ذلك من عودة الجيش الأميركي إلى المنطقة في شكل غاراتٍ جويّة، وعمليات «كوماندوس» محدودة (حتى الآن). كذلك، كانت معارك «دولة الخلافة» فرصةً مناسبةً للأكراد في سوريا لمنحِ سيطرتهم على مساحات واسعة من الجغرافيا السوريّة غطاءً شرعيّاً. وللمفارقة، فإن «داعش» بدا أخيراً السلاح التركي الأنجع في وجه التمدّد الكردي، وهو كان قبل ذلك (ولا يزال) سلاحاً تركيّاً فعّالاً في وجه الدولة السوريّة أيضاً.
التفجيرات VS الطائرات
من المسلّم به أن ضربات «التحالف» ضدّ تنظيم «داعش» تبدو عاجزةً عن إلحاق ضررٍ بنيوي حقيقي به. وإذا كانت معركة عين العرب، ومعارك الأكراد ضد «داعش» في الحسكة وريف الرقّة هي النموذج الوحيد الذي أدّت فيه الضربات الجويّة دوراً فعّالاً، فاللافت أن تطورات اليومين الأخيرين أثبتت أن هذه الحالة أيضاً لم تكن ناجعةً في ظل «الهبّة الداعشيّة» الميدانية المتجدّدة في الحسكة وعين العرب. ولا يحتاج تفسير ذلك إلى دراسات وتحليلات مستفيضة. فـ«استراتيجيّة» إضعاف التنظيم في منطقة، مع غض النظر عن تعاظم نفوذه في مناطق أخرى، لا يُمكنها أن تخرج بنتائج حاسمة، وخاصةً في ظل غياب التوافقات اللازمة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، ليتناوب هؤلاء على تغذية التنظيم، كلّ وفق مصالحه المرحليّة. ورغم أن وسائل إعلام «دول التحالف» حاولت إبراز بعض العمليات التي طاولت «قياديين» في التنظيم على أنّها «إنجازات مؤثرة»، غير أنّ الثابت أن تلك الاستهدافات لم تؤثر في موازين القوى فعليّاً. وبغض النظر عن المكانة الفعلية للمُستهدَفين في سلّم «قيادات داعش»، فإنّ هؤلاء (وجنودهم بطبيعة الحال) نذروا أنفسهم في الأصل لـ«الجهاد والاستشهاد». في المقابل، يبدو واضحاً ان استراتيجية «داعش» في الرد على هذه العمليات تقوم على توسيع نطاق نشاطه ليشمل دولاً كثيرةً حول العالم. وتعتبر التفجيرات الإرهابيّة أداة فعالةً في نظر التنظيم، من دون أن يشكل استهدافها المدنيين فارقاً لديه، فالاستراتيجية التكفيريّة تقوم أساساً على إباحة دماء كل من لا يوالي «الخلافة».




أداة التقسيم

لا يُعدّ الحديث عن تحوّل تنظيم «الدولة الإسلاميّة» إلى أداة لتقسيم سوريا ضرباً من المبالغات. والأدق، أن المنطقة بأكملها تبدو مرشّحة لدخول مرحلة جديدة من التقسيمات. فالفرز الطائفي، والديموغرافي الذي سبقَ وأفرزه الاجتياح الأميركي للعراق آخذٌ بالتجذّر شاقوليّاً، بعدما استوفى كل شروط الانتشار الأفقي. وعلى نحو مماثل، يسير الشمال السوري (رغم اختلاف بعض الظروف). ولا يتعلّق الأمر بالجغرافيا، بقدر ما يتعلّق بالنسيج المجتمعي الذي تشظّى في الدولتين، ما يخلق البيئة المناسبة لتقسيم الجغرافيا عاجلاً أو آجلاً. وإذا كانت الدولة التركيّة تبدو نظريّاً في منأى عن هذا المسار، فإنّ المسألة الكرديّة ازدادت تعقيداً في الفترة الأخيرة، ليبدو «شهر العسل المؤقت» الذي سبق وشهدته العلاقات بين حزب العدالة والتنمية وبين الأكراد ذاهباً نحو نهايات متفجّرة، وخاصة في ظل المؤشرات المتزايدة على استخدام أنقرة أداة «داعش» ضد الأكراد، وهو أمرٌ لا يمكن التكهن بارتداداته على الداخل التركي مستقبلاً.




تواريخ وأحداث بارزة

عام 2014:

10 حزيران: «داعش» يسيطر على الموصل، وكامل محافظة نينوى العراقية.
29 حزيران: المتحدث باسم «داعش» يعلن قيام «دولة الخلافة» و«مبايعة» أبو بكر البغدادي «خليفة للمسلمين».
25 آب: محافظة الرقة السورية بكاملها تحت حكم «داعش» بعد سيطرته على مطار الطبقة العسكري.
16 أيلول: بدء معركة عين العرب الأولى، وتقدم كبير لـ«داعش».
23 أيلول: بدء غارات «قوّات التحالف» ضدّ «داعش».

عام 2015:

26 كانون الثاني: الأكراد يستعيدون السيطرة على عين العرب بدعم كامل من «قوات التحالف».
22 شباط: قوّات تركيّة تدخل مناطق سيطرة «داعش» وتنقل رفات سليمان شاه من دون اعتراضها.
17 أيار: «داعش» يسيطر علي مدينة الرمادي بالعراق (عاصمة محافظة الأنبار).
20 أيار: «داعش» يسيطر على مدينة تدمر التاريخيّة ويحوّلها إلى نقطة تمركز هامّة بقوّة في وسط سوريا.
22 أيار: «داعش» يسيطر على معبر الوليد آخر معبر حدودي بين سوريا والعراق.
15 حزيران: المقاتلون الأكراد يسيطرون على مدينة تل أبيض أحد أبرز معاقل التنظيم في محافظة الرقة السورية.
25 حزيران: «داعش» يستهدف بهجمات مفاجئة مدينة عين العرب في محافظة حلب، ويحقق تقدماً في محافظة الحسكة.
26 حزيران: «داعش» يتبنّى هجمات انتحاريّة في فرنسا، وتونس، والكويت.