هناك أدباء يندمون بعد حين على نشر أعمالهم الأولى، لسبب أو لآخر، ولكنني لست واحداً من هؤلاء. فأنا اليوم راض عن مجموعتي الشعرية الأولى عدا عنوانها: «رماد الفجيعة»، إذ شعرت بعد صدور الديوان بأنه عنوان ساذج، وإن بدا لي عنواناً معبراً في لحظة اختياره، وما زلت أنكمش منه حتى اليوم.

صدرت هذه المجموعة في حزيران 1966، وكانت أول مجموعة يصدرها شاعر من شعراء الستينيات في العراق على ما أتذكر. وقد حظيت عند صدورها بحفاوة نقدية واسعة يضم أرشيفي من آثارها ثماني عشرة دراسة ومقالة.
أعمال الشعراء الأولى غالباً، وربما دائماً، ما تحدد الملامح العامة الأولى لتجاربهم الشعرية. وأظن أن هذا ينطبق على مجموعتي هذه. ولعلي لا أخطئ إذا قلت اليوم إن هذه المجموعة كانت مختبر تجريب لشاعر جديد يبحث عن نفسه في عالم الشعر والشعراء. فكل قصيدة فيها اختبار شخصي من نوع ما على مستوى الكتابة الشعرية الخاصة، ولكن صوت الشاعر الخاص ومنحاه الوجودي الذي غلب على تجربته الشعرية وتفرد به بين شعراء جيله، يبدوان بوضوح في أغلب قصائدها، وخاصة قصائد مثل: البحر والأرض، والصوت واليقين، والعبد والحجاب.

وهذا ما لاحظه في ما بعد بعض النقاد: «حكايةٌ قديمه/ حكاية السؤالِ واليقينِ والهزيمه/ لا تعجلوا !/ نبتُّ في مواسمِ البوارْ/ رضعتُ ثديَ الأرضِ واستعرتُ زرقةَ البحارْ/ فصار لي وجهٌ يطلّ في الزحامِ لفتةَ انتظارْ/ وصار لي صوتٌ يلاحقُ الدروبَ بالسؤالْ:/ ـــ مَن لي بمن يضخُّ في العروقِ راحةَ اليقينْ ؟/ ـــ مَن لي بمن يردُّ لهفةَ السؤالِ حينَ يستفيقُ في العيونْ ؟/ ـــ مَن لي بمن يريحُ موجةً بلا قرارْ؟/ صمتٌ، وغير الصمتِ لم يحتطبِ السؤال/ فالنهرُ لا يجيبْ/ والريح لا تجيبْ/ والصوتُ طائرٌ غريبْ». (المقطع الأول من قصيدة: «الصوت واليقين»).
أذكر أن كاتباً واحداً فقط هاجم المجموعة هو الشاعر فاضل العزاوي. فقد كتب عنها مقالاً قصيراً في صحيفة يومية محلية وصف فيها شعري بأنه «شعر نفعي» لا لشيء إلا لأنني أهديت المجموعة إلى زوجتي. والغريب أن هجومه اقتصر على الإهداء ولم يتناول في ما كتبه أية قصيدة من قصائد المجموعة. كانت مناكدة سياسية في ما أظن، وهذا النوع من المناكدات كثير مألوف في أوساط الأدباء العراقيين مع الأسف، وهو موجود حتى اليوم. تصور أن هناك من يدعون في بلادنا اليوم إلى حرق كتب ودواوين الشاعر سعدي يوسف.
هناك من النقاد من رأى يومئذ أن لشعر بدر شاكر السياب تأثيراً في إحدى قصائدها، وهي قصيدة «من سيرة أبي ذر الغفاري : جندب بن جنادة». فهذه القصيدة مكتوبة على بحر «الوافر» الذي كان السياب أول من كتب به من شعراء الشعر العربي الحديث ووسم إيقاعه بطابعه الخاص. ولكن الكتابة على هذا البحر لا تعني التأثر بشعر السياب، كما أرى، إلا إذا اقترنت بقرائن أخرى: إيقاعية، أو لغوية، أو دلالية، وإلا فبحور الشعر العربي مباحة للجميع وليست ملك شاعر من الشعراء. وأنا أزعم أن قصيدتي هذه تخلو من القرائن المذكورة، وطريقة بنائها تختلف عن الطريقة التي كان السياب يبني بها قصائده.


حظي ديواني الأول بحفاوة واسعة، وشجعني الثناء النقدي الذي قوبلت به على مواصلة الكتابة، فواصلت حتى صار لي مكان بين الشعراء


التأثر بشعر السياب ليس منقصة يُؤاخذ عليها شاعر مبتدئ في ذلك الحين، لأنه من طبيعة الأمور في ما أظن. وأن أنفي اليوم وجود هذا التأثر لا يعني أنني لم أتعلم من السياب، أو من سواه من شعرائنا المحدثين، فقد تعلمت منهم جميعاً، بدرجات متفاوتة، وأول ما تعلمته من السياب بناء القصيدة بناء مكتملاً مكتفياً بنفسه مفتوحاً على خارجه، ولكنني حاولت أن أنأى بقصيدتي عنه وعن غيره، وأظنني نجحتُ ونجحتْ. وربما هي مفارقة أن أتخلى في ما بعد عن قصيدة «أبي ذر» هذه ولا أعيد نشرها، ليس لسبب ما قيل عن تأثرها بشعر السياب، بل لسبب آخر بعيد عنه كل البعد، ولم يئنْ بعد أوان الإفصاح عنه.
كتبت قصائد هذه المجموعة بعد انقطاع دام نحو سبع سنوات. فقد توقفت عن كتابة الشعر منذ أن دخلت الجامعة عام 1958، وسبب هذا التوقف سياسي محض. كنت أحلم بالثورة وأرى أن الثورة هي أجمل القصائد وأكملها، وأن الشعر محض ترف. كان حلم مراهق لا أكثر ولا أقل. وكان هناك من يحثني على العودة إلى الكتابة، ويقول لي وهو على حق: إن حلمك هذا لا يتعارض مع كتابة الشعر، ولكنني تشبثت بحلمي تشبثاً طفولياً حتى انكسرت، فوجدتني أعود إلى الشعر، بل هو الذي عاد إلي فجأة عام 1965، فرحت أقول في أول مقطع من أول قصيدة كتبتها بعد هذا الانقطاع: «عد بنا، عد بنا، إن خبز القناعه/ كان سمّاً، وكانت حكايتنا في الشجاعه/ سكرةً وانتهت بالدُّوارْ/ ثمَّ لمّا صحونا وجدنا الحقيقه/ خرقةً ملَّ منها شيوخُ الطريقه/ عندما جرّبوا بؤسَ هذي القفارْ/ يا زمانَ الهوى ليسَ ثَمَّ انتظارْ/ أو بقايا شجاعه/ يا زمانَ الهوى أتعبتنا دروبُ الفرار/واختنقنا من الخوفِ، قِئنا لبانَ الرضاعه».
قلت: إن هذه المجموعة حظيت بحفاوة نقدية واسعة، وشجعني الثناء النقدي الذي قوبلت به على مواصلة الكتابة، فواصلت حتى صار لي مكان بين الشعراء، وأصبح عدد مجموعاتي المنشورة سبع عشرة مجموعة، وما زلت أكتب الشعر حتى اليوم.
كل قصائد هذه المجموعة من الشعر الحر، الشعر التفعيلي أعني، فقد كنت منذ البداية مقتنعاً بكتابته. فأنا عاصرت حركة الشعر الحر التي نشأت في العراق، عاصرتها وأنا بعد في صباي المبكر، وملت إليه منذ ذلك الحين، وتابعت شعراءه العراقيين وغير العراقيين متابعة دقيقة، ودافعت عنه ضد خصومه التقليديين، وما زلت مقتنعاً به حتى اليوم، لأنني أرى أن الوزن في الشعر ضرورة، فهو يؤدي فيه ثلاث وظائف: إيقاعية، ودلالية، وتنظيمية. وهو ليس حِلية كما يتوهم من يتوهم، وهو ليس قيداً إلا عند من يجهلونه، والشعر من دونه شعر ناقص في رأيي. غير أنني كتبت الكثير من قصائد النثر. ومنذ مجموعتي الخامسة «الزوال» التي صدرت عام 1981 لم تخلُ أية مجموعة صدرت لي بعدها من قصيدة نثر أو أكثر، حتى أن قصائد النثر بلغت نصف قصائد مجموعتي التاسعة «حنجرة طرية». ومنذ ذلك الحين صرت أكتب القصيدة كما تأتيني، بوزن أو بلا وزن. وهذا ما منحني المزيد من الحرية والتنويع في الكتابة.
وبعد، يروق لي أن أختم هذه المقالة بواحدة من قصائد تلك المجموعة عنوانها «صيفية»: «صيفٌ، وحريرٌ يتلوّى، وينادي الريحَ وينسحبُ/ فتهمُّ الإصبعُ تُرجعُه/ وتهمُّ، ويُرخيها الطربُ/ فيموجُ المرمرُ والَّساحُ/ ويُطلُّ التفّاحُ/ أقماراً تفلتُ من فلك الله وترتاحُ / الشُّهقةُ تُبرئ ذمّتَها منها، فيحارُ السيّاحُ/ وتلمُّ النظرةَ سيقانٌ، وتُشَدُّ على الشوقِ الرُّكَبُ/ فيصيحُ نداءٌ: يا حَلَبُ/ روما لا تأخذُ ديَّتَها ، فعلامَ السائحُ يضطربُ؟/ وتجيبُ على وهنٍ حلبُ،/ فالخيطُ الأصفرُ يمتدُّ ويرتدُّ ويمتدُّ/ أفخاخَ نداءٍ لم يهجعْ بعدُ،/ والعِرقُ الفائرُ تُسكره الحمّى/ والصبوةُ صقرٌ ينقرُ أحداقَ الشمسِ فتدمى/ ولهاثُ الأجسادِ يدورُ/ بين عروقٍ وفمٍ ويدٍ تلوي أعناقَ الأزرارِ/ وتصبُّ النارَ على النارِ/ فيضجّ فراشٌ وتدفُّ ستورُ/ ويصيحُ الصيفُ/ ويلمُّ الأنقاضَ الخوفُ».
* شاعر وكاتب عراقي