تفرض المصارف عادة عدة شروط لمنح أي نوع من أنواع القروض قد يصعب على العديد من الناس تلبيتها في حالات عادية وطبيعية، فكيف الحال بالطبقات الفقيرة والمعدومة التي لا تملك تاريخاً ائتمانياً أو ضمانات كافية تخولها الاقتراض من المصارف أو مؤسسات تمويل رسمية؟


والواقع أن فئات واسعة من الناس من حول العالم، وخاصة في الدول النامية، تجد نفسها محرومة من الاستفادة من الخدمات المصرفية التقليدية، ومن بينها الاقتراض، بحكم أوضاعها المادية وظروف معيشتها، ما يفرض عليهم إما القبول بالواقع كما هو من دون القدرة على إحداث تغيير، أو طلب المساعدة من معارفهم وأقربائهم الذين قد لا يكون وضعهم أفضل حالاً، أو الاقتراض من بعض المتموّلين بفوائد مرتفعة وشروط قاسية تزيد من معاناتهم.
لذلك، ولسدّ هذه الثغرة وتأمين المساعدة لهذه الفئة من المجتمع، وجد التمويل الأصغر أو ما يعرف بـ"مايكرو فاينانس".

رجل يغيّر بلداً

انطلق مفهوم التمويل الأصغر بشكله المعاصر من بنغلادش عام 1976، وبمبادرة من أستاذ علم الاقتصاد في جامعة "شيتا جونغ" محمد يونس الحائز جائزة نوبل للسلام عام 2006. اكتشف يونس بعد المجاعة التي ضربت بنغلادش عام 1974 أن النظريات الاقتصادية التي يدرسها لا تؤثر على حياة الناس. وصادف أن وجد "امرأة كانت تصنع كراسي من الخيزران، فتبيّن له أنها على الرغم من العمل المضني الذي تقوم به، فإنها لا تكسب إلا سنتين أميركيين يومياً، بحكم خضوعها لشروط المقرض الذي يقرضها المال لتأمين الخيزران الذي لا يكلف إلا 20 سنتاً!! قرر حينها يونس أن يدوّن لائحة بأسماء الاشخاص الذين يحتاجون إلى هذا النوع من التمويل البسيط. تضمنت القائمة 42 اسماً، وكان المبلغ الذي يحتاجون إليه 27 دولاراً فقط. منحهم يونس هذا المبلغ مجاناً، ونجحوا في إعادته إليه، وتحسّنت ظروف حياتهم.


تقدم مؤسسات التمويل الصغير الخدمات المالية للفقراء القادرين على تنظيم المشروعات

حاول يونس إقناع المصارف بإقراض الفقراء، لكنه كان دائماً ما يردّ خائباً، في ظل اقتناع المصارف بعدم أهلية الفقراء للاقتراض. أول خطوة له كانت أنه عرض نفسه ككفيل لكي يؤمن التمويل للمحتاجين. وبعدها قرر إنشاء مصرفه الخاص، وهكذا ولد مصرف "غرامين" للفقراء.
اليوم، حتى كانون الأول من عام 2017، بلغ عدد المقترضين من مصرف "غرامين" 8.93 ملايين شخص، 97% منهم من النساء، مع أكثر من 2568 فرعاً، ويقدم خدمات في أكثر من 81400 بلدة، أي أكثر من 97% من القرى في بنغلادش، مع قروض تتخطّى قيمتها 1.6 مليار دولار، ويمكن أن تبلغ قيمة بعض القروض 15 دولاراً فقط. اللافت أن نسبة تسديد القروض تبلغ 99%.
وفقاً لمحمد يونس، فإن "الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان. فالشخص الذي لا يملك شيئاً له الأولوية في الحصول على قرض".

فوارق

إحدى أبرز خصائص مؤسسات التمويل الصغير أنها تستهدف "الأفراد الذين ليس لهم القدرة على الحصول على الخدمات من المؤسسات المالية التقليدية"، وفي تعريفات أخرى هي "تقديم وتوفير الخدمات المالية للفقراء القادرين على تنظيم المشروعات". يتضح إذاً أنه خلافاً للمصارف التي تهدف إلى تحقيق الأرباح، فإن مؤسسات التمويل الصغير (بعضها غير ربحي والبعض الآخر ربحي) تغلّب البعد التنموي على البعد الربحي. وفي هذا الإطار، وفيما تقدم المصارف قروضاً للاستهلاك بناءً على رغبة المقترض، والمعروفة بالقروض الشخصية، يتبيّن من التعريف أعلاه أن مؤسسات التمويل الصغير تمنح القروض لأغراض إنتاجية فقط . فهي ليست مؤسسات خيرية تقدم الدعم للمحتاجين، بل تسعى إلى مساعدة الفقراء على تطوير أعمالهم وتحسينها. فرق آخر بين المصارف التقليدية ومؤسسات التمويل الصغير هو أن هذه الأخيرة تركز على النساء بشكل كبير، بحكم أنهنّ الأكثر تهميشاً وضعفاً في الدول النامية.
قيمة القرض بطبيعة الحال تعدّ أحد الفروقات الرئيسة بحكم الشريحة المستهدفة. ففيما قد تصل قيمة القرض الذي قد يمنحه مصرف لأحد عملائه إلى مئات لا بل ملايين الدولارات، فإن قيمة القروض لدى مؤسسات التمويل الصغير تبقى ضمن ضوابط معيّنة، وهي في غالبها لا تتخطّى عتبة الألف دولار أميركي.
يضاف إلى ما سبق، أنه على عكس المصارف، فإن مؤسسات التمويل الصغير هي من تقصد الناس وتبحث عنهم، وذلك يعود لكون معظم من يحتاجون إلى هذا النوع من التمويل يقطنون في مناطق ريفية وبعيدة لم تصلها المصارف والبنى التحتية اللازمة ولا قدرة لديهم على التنقل. وفيما تعتبر درجة المخاطر أكبر لدى مؤسسات التمويل الصغير مقارنةً بالمصارف التقيليدية بحكم طبيعة عملها والعملاء الذين تتوجه إليهم، فإن معدل فوائدها يعدّ أعلى من الفوائد التي تفرضها المصارف التقليدية. لكنها، في هذا الإطار، تتيح طرق اقتراض خاصة، كالاقتراض الجماعي، وذلك بهدف تخفيف الأعباء على الافراد، وكذلك إمكانية التسديد اليومي للقروض في بعض برامج التمويل الصغير.