يبلغ حجم الإنفاق الاستهلاكي في العالم، أي مجمل ما يصرفه المقيمون على هذا الكوكب، 61 تريليون دولار تقريباً. كل منا يستخدم إيراداته المتفرقة أو الموحدة للمساهمة بهذه النشاط الكوني التي يتنوع من الطلب على الإلكترونيات إلى أطباق السلطة وصولاً إلى أدوات التنظيف.

معظم هذا الطلب يتولد من الأجور والرواتب التي يحصّلها الموظفون والأجراء جراء تأدية أعمال موسمية، ثابتة أو وفقاً لعقود. وتُشكل وضعية هؤلاء العمال في كل بلد، من حيث القوانين التي ترعى مصالحهم والمشاريع العامة التي تلحظ رفاههم، مؤشراً على تقدم الطبقى الوسطى إجمالاً.

وقد أضحى جلياً منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في عامي 2008 و2009، أن أحوال العمال ليست بالضرورة أولوية على أجندات الحكومات. بدليل أن إجراءات التقشف لتسديد فاتورة إنقاذ المؤسسات المالية الكبرى، آذت، ولا تزال تؤذي، مئات ملايين العمال من الشرق إلى الغرب وتُسهم في زيادة هشاشة أصحاب الدخل المحدود، وفي الحد من خلق الوظائف اللائقة.
فجوة الوظائف
من هنا، تلحظ منظمة العمل الدولية في تقريرها حول الأحوال الاجتماعية لعمال العالم في عام 2015، أن فجوة الوظائف الموجودة في العالم حالياً - أي المداخيل الفائتة جراء غياب الوظائف - تبلغ 1.218 تريليون دولار، أي ما يعادل 2% من الإنفاق الكوني المذكور.
ونظراً إلى المكاسب المضاعفة التي تنجم عن خلق الوظائف، فإن ردم تلك الفجوة يولد دفعة للاقتصاد العالمي بقيمة 3.7 تريليونات دولار.
لكل بلد استراتيجيته الخاصة في التعامل مع سوق العمل ومع خلق الوظائف وتحفيز القطاع الخاص عبر سياسات العصا والجزرة لتعزيز توليد الوظائف المستدامة. تقليدياً، هناك بلدان تعتمد على استيراد العمالة مثل كندا، في المقابل هناك بلدان أخرى تقوم على تصديرها والاستفادة من مردودها في الخارج، مثل لبنان.
ولكن مثلما تحكم السيرورة باقي القطاعات يبدو لبنان، رغم كل التشوهات التي تشوب تركيبته الاقتصادية الاجتماعية ورغم كل المصاعب التي تحيط به والتي تنخره من خلال المحاور التي يرتبط بها، نحن على شفا تحول في هذا الصعيد، على الأقل إذا تبعنا كلام المؤسسة الاقتصادية الأولى في نظامه، مصرف لبنان.


الأصول الفكرية

في الحقيقة، بغض النظر عن التشوهات الهيكلية التي أحدثتها البرامج السياسية الاقتصادية الطائفية طوال فترة العقدين ونصف العقد الماضية، تبقى هناك أصول يُمكن البناء عليها لتطوير قطاعات معرفية غنية بالوظائف، والتي يُمكن الاحتفاظ بها على أرض الوطن من دون تصديرها إلى بلدان الخليج النفطية، أفكاراً ومواهب (وهنا من المجدي التقاط ما تبثه بلدان الخليج من أن أي شكوك في الميول السياسية أو النشاطات الاجتماعية لأي مغترب لبناني عقابها الترحيل عبر قرار يُأخذ بين ليلة وضحاها).


مستقبل الاقتصاد اللبناني سيقوم على ثلاثة قطاعات رئيسة هي: القطاع المالي وقطاع النفط والغاز وقطاع اقتصاد المعرفة

وقد تطرّق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إلى هذه الأصول التي يتمتع بها لبنان، خلال مداخلة مصوّرة قدمها أخيراً في إطار مؤتمر عن المبادرة إلى إطلاق الأعمال والشركات (Start Up Lebanon) نظمته غرفة التجارة اللبنانية الأميركية في نيويورك أخيراً.
"مستقبل الاقتصاد اللبناني سيقوم على ثلاثة قطاعات رئيسة هي: القطاع المالي وقطاع النفط والغاز وقطاع اقتصاد المعرفة" قال الحاكم، وأوضح: "هذه القطاعات الثلاثة ستشكّل قوة دفع للقطاعات الاقتصادية التقليدية في لبنان، وستوفر فرص عمل للشباب اللبنانيين، وهذا ما يجعل مصرف لبنان حريصاً على إنجاح هذا القطاع وعلى القيام بما أمكنه لذلك".
في البداية أول ما يلفت في هذا التصريح هو غياب أي إشارة إلى الخدمات السياحية التي لطالما شكلت قاعدة الاقتصاد اللبناني الحديث والمسؤولة عن قرابة ثلث الوظائف فيه. في المقابل، كان العنصر الوحيد من القطاع الخدماتي الذي ركز عليه الحاكم، هو القطاع المالي الذي يُعد أساس النموذج اللبناني القائم. أبسط المؤشرات في هذا السياق، هو أن أصول المصارف التجارية أضحت 177 مليار دولار، وعبرها تعمل السلطة النقدية بالدرجة الأولى على تحفيز التمويل أو تقزيمه في القطاعات التي تراها حيوية.
أما النقطة الثانية المهمة، فهي أنه رغم كل التعقيدات التي تحيط بمسار لبنان في مجال استخراج النفط والغاز التي أثبتت الدراسات وجودها في مياهه الإقليمية، يتطلع مصرف لبنان من موقع المشرف على النظام المالي برمته - ومن موقع المحفز أو الكابح لآليات التمويل - إلى الإمكانات التي يُمكن أن يُظهرها هذا القطاع في المدى المتوسط.
غير أن الأهم في مداخلة سلامة يبقى التركيز على اقتصاد المعرفة الذي أثبت فيه اللبنانيون محلياً وفي بلدان الاغتراب تنافسية بارزة. وقد عمل مصرف لبنان في أكثر من مجال على تعزيز هذا القطاع خلال السنوات الماضية، من خلال دعم مشاريع تسريع إنشاء الشركات واحتضانها، ومن خلال ضمان بعض قروضها.


سوق أسهم الكترونية

والخطوة الجديدة في هذا الإطار، هي إعلان إقامة سوق الكترونية للأسهم، يجرى التحضير لها. "تتيح هذه السوق للشركات الناشئة أن تفتح الاكتتاب فيها للجمهور، إذا لم تكن ترغب في بيعها لشركة أخرى، وبهذه السوق تكتمل السلسلة، فتصبح لدينا المسرّعات والتمويل وإمكان الخروج أو يبقى أن الأهم من إنشاء الأسواق هو ضمان الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يضمن استدامتها وتطورها. فمن المعروف أن لبنان يُعدّ من بين أضعف البلدان في العالم على مستوى السهولة في أداء الأعمال، ومن بين 189 اقتصاداً يحل في المرتبة 104 في تراجع مستمر وفقاً لمجموعة البنك الدولي.

ردم الفجوات

ومن هنا، نعود إلى الموضوع الرئيسي، فرص العمل اللائق، التي يرغب رياض سلامة في خلقها عبر مبادراته والتي يُمكن أن يتطلع إليها لبنان عبر المحاور الاقتصادية التي تُعدّ واعدة في اقتصاده.
فأي مشروع يتطلع إلى تحفيز خلق فرص العمل محلياً، عليه إحاطة تطلعاته بإطار يحمي تلك الفرص عبر حماية حقوق العمال. هذه المسألة مهمة لدرجة أنها ترد في آلية احتساب مدى تنافسية الاقتصادات حول العالم عبر مؤشر سهولة أداء الأعمال نفسه؛ مع العمل أن هذا المؤشر يتطرق بالدرجة الأولى إلى مصالح رأس المال واحتياجاته التي تتعارض في كثير من الأحيان، بالمعنى الضيق، مع مصالح العمال.
فهل تكون المبادرات الجديدة التي تقوم على الوعود التي تحملها القطاعات الثلاثة التي يذكرها سلامة - القطاع المالي، اقتصاد المعرفة وقطاع النفط - قادرة على تأمين الإطار اللازم لخلق فرص العمل وبقاء العمال في وطنهم؟ هل تواكب السلطة السياسية الطائفية جهود المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل أكثر من 75% من الأعمال في لبنان وتحميها وتحمي عمالها في مراحل المبادرة والمغامرة؟
إن التجربة في القطاع الوحيد القائم فعلياً بين هذه المجالات الثلاثة، وهو القطاع المالي، تُظهر أن فجوات الدخل والتوظيف قد تصل إلى مستويات فلكية. وقد بانت عوامل الضعف هذه خلال المواجهة الأخيرة التي خاضها موظفو المصارف ضد إداراتهم التي سعت في إطار الحفاظ على استقرار في ربحيتها، إلى قضم حقوق العمال والحؤول دون توقيع عقد عمل جماعي محدّث.
على أي حال، وبعد كل ما تقدم يبقى التساؤل الاساسي حول قدرة الاقتصاد اللبناني على الازدهار على نحو مستدام - وعلى خلق العمل اللائق للعمال في قطاعات غير تقليدية - بعد انتهاء مواسمه السياحية.