في أغلب دول العالم هناك تصنيفات لأماكن السهر واللهو، بحيث يكون بإمكان كل فرد ان يختار المكان الذي يناسبه للسهر وفقاً لميزانيته. لكن في لبنان تأتي النوادي الليلية التي بدلاً من ان تكون ملجأ للتنفيس والمرح واللهو، لتصبح مكاناً لتفريغ جيوب المواطنين تحت شعار النظام "الاقتصادي الحر" لكن بلا حسيب ولا رقيب.


صحيح انها المدينة السحرية، التي تزخر بمقومات مثيرة، والتي لا تشبه سواها من المدن. على الرغم من الأعباء الحياتية اليومية، تعج الملاهي الليلية بالساهرين. كيف لا وهي "مدينة السهر"، حيث تتعدّد العناوين وتنتشر المرابع الليليّة من الحمرا الى الجميزة الى مونوو فجونيه وجبيل والبترون... فالسهر في لبنان لا يعرف أوّل الشهر من آخره.
لكن عندما تتداخل تكاليف السهر في لبنان، تنهمر الاسئلة بغزارة، ويبقى الاهم: اي مبلغ من المال تقتطعه سهرة واحدة من مرتب شخص عادي؟ وهل مسموح ان يفرض اصحاب الملاهي مبالغ مرتفعة فيما الرقابة مغيبة؟

تكاليف مرتفعة

لطالما تصدرت بيروت صفحات الصحف الأجنبية والعالمية الأولى، فصنفتها صحيفة «نيويورك تايمز» كواحدة من أفضل 44 وجهة سياحية حول العالم، وبرأي صحيفة الـ«سانداي تايمز» البريطانية حصلت بيروت على لقب أفضل مدينة تزورها، وفي صحيفة الـ«سانداي تليغراف» البريطانية ايضا تم وصف بيروت بأنها المدينة الأكثر إثارة على الأرض... لكن لكل تلك الالقاب العالمية ثمن يترجم على ارض الواقع حيث يتخطى سعر كأس المشروب في بعض الاماكن "المصنفة" 30 دولاراً، اما الزجاجة فيمكن ان يتخطى سعرها 5000 دولار.
بدءاً من تكاليف بدعة "الفاليه باركينغ" مروراً بثمن الكؤوس ووصولاً الى الاكراميات قد تتخطى تكلفة السهرة العادية الواحدة 100 دولار عن الشخصين. من هنا يمكن القول ان اللهو في لبنان والمرح قد اصبح باهظ الثمن.

دور محدود

عن هذا الموضوع، يشير وزير التجارة والاقتصاد آلان حكيم إلى "ان مديرية حماية المستهلك تضع رقابة مسبقة على المقاهي، اما في ما يتعلق بإماكن السهر فهذا الامر صعب بعض الشيء. لذلك تكون المراقبة والمتابعة انطلاقاً من الشكاوى التي يقدمها المواطنون الذين اذا اشتكوا من سعر معين يقومون بتبليغ الوزارة لتتابع وتتحقق بالامر. من هذا المنطلق تتم دراسة السوق لإقرار ما اذا كانت الشكوى في مكانها ام لا".


يلجأ اصحاب الدخل المحدود للشرب قبل الذهاب الى الحانات لتقليص عدد الكؤوس التي سيطلبونها، فثمن البيرة لا يقل عن 5000 ليرة

ويتابع حكيم: "في المجمل تدرس الوزارة الاسعار من خلال المجلس الوطني لدراسة الاسعار الذي يراقب تسعيرات الملاهي. اما التسعيرة فمتعلقة بنقطة البيع. لذلك ليس هناك تدخل واضح للوزارة في هذا المجال، فبحسب المرسوم 83/73 فإن تحديد الاسعار لا يندرج ضمن اطار وزارة الاقتصاد، بل يقتصر عمل الوزارة على المراقبة، ليبقى السعر مرتبطاً بالمكان وتصنيفه وما اذا كان 5 او 4 او 3 نجوم".
يعتبر حكيم: "انه من غير الطبيعي ان يتخطى سعر الكأس الواحدة 20 دولاراً، وذلك اذا كان الملهى من فئة 5 نجوم، غير ان معدل الاسعار يتراوح بين 10 و15 دولاراً بحسب المكان. وفي الحانات الصغيرة السعر اقل من ذلك، اذ لا يتخطى العشرة آلاف ليرة".
يلجأ اصحاب الدخل المحدود للشرب قبل الذهاب الى الحانة بهدف تقليص عدد الكؤوس التي سيطلبونها، فثمن زجاجة البيرة مثلاً لا يقل عن 5000 ليرة في حين ان ثمنها في محلات البيع لا يتجاوز 1000 ليرة. وثمن كأس الويسكي لا يقل عن 10 الاف ليرة في حين كلفته الفعلية لا تتخطى 3000 ليرة. بالطبع ان هذه الاسعار تكون في الحانات المتواضعة، اما في الملاهي الكبيرة فاسعار المشروب اضعاف تلك القيمة.

لكل شارع خصوصيته

من جهة اخرى، يعتبر نقيب اصحاب المطاعم والملاهي طوني الرامي: "ان صيت السهر في بيروت قد ذاع ووصلت شهرته الى اهم مدن العالم. باعتبار اننا نستقطب أبرز الـDJ حول العالم، وننظم اهم الحفلات والنشاطات في منطقة الشرق الاوسط. علاوة على ذلك، تعتبر ملاهينا الاجمل والارقى، والاهم من ذلك ان كل شارع يتميز بطابع خاص وهوية خاصة :الحمرا، مونو، الجميزة، سوديكو، مار مخايل، جونيه، جبيل، البترون لكل شارع علامة فارقة تميزه عن غيره":
ويضيف الرامي: "بما يتعلق بالاسعار، فهي تكون بحسب الملهى والخدمات التي يقدمها اضافة الى انواع المأكولات والمشروبات. غير ان الاسعار في لبنان تعتبر مدروسة جداً مقارنة مع دبي او لندن على سبيل المثال، حيث سعر الكأس العادي حوالى 10 دولار. اما الزجاجة فيتراوح سعرها ما بين 120 و180 دولاراً. تعتبر هذه الاسعار مدروسة جداً نسبة لما يقدمه السهر في لبنان. فالموسيقى والتجهيزات والاجر الذي يتقاضاه العاملون في هذا المجال، كلها اسعار باهظة. ولو لم تكن اسعارنا جيدة مقارنة مع ما يتم تقديمه، لما باتت بيروت معروفة كوجهة سياحية للسهر".
ويتابع: "المستهلك هو الذي يحمي نفسه، فهو يعرف الاسعار جيداً التي تكون معلنة ومصدقة من قبل وزارة السياحة. فاذا لم يناسبه السعر بإمكانه ان يقصد مكاناً آخر. والدليل على ان الاسعار ليست مرتفعة هو عدد الساهرين في نهاية كل الاسبوع حيث تكتظ الملاهي والمرابع الليلية بالرواد في مختلف المناطق".

ما باليد حيلة

بنظر كثيرين، تبقى بيروت واحدة من افضل مدن العالم للسهر والحياة الليلية واللهو، فملاهيها وحاناتها ومراقصها، كلها تقدم افضل مستوى من الموسيقى والطعام والشراب والجو العام...
وعلى الرغم من ذلك، يتذمر العديد من الناس من اسعار السهر باعتبارها مرتفعة جداً، لا بل غير مقبولة في كثير من الاحيان.

تحديد الاسعار لا يندرج ضمن
اطار وزارة الاقتصاد بل يقتصر عمل الوزارة على المراقبة

من هذا المنطلق، يعتبر سمعان الهاني: "ان عملية الحجز في أماكن السهر الأشهر في بيروت بات يشبه ألعاب القمار والمراهنة. وأصبح من المتعارف عليه أنه يجب أن تكون على علاقة بصاحب الملهى أو الشخص المكلّف بالحجز لتتمكن من الحصول على طاولة بطريقة طبيعية دون اللجوء إلى الكذب أو دفع الأموال الطائلة. ومنذ بضع سنوات، تنبّه بعض اللبنانيين للأمر، فحوّلوه إلى تجارة، فباتوا يحجزون منذ بداية العام طاولة لموسم الصيف بأكمله ثم يقومون بتأجيرها مع بداية الصيف بمبالغ تتخطى الـ 2000 دولار في الليلة الواحدة. فاين الرقابة في هذا الموضوع؟ وهل مسموح ان تغض الدولة النظر تاركة اصحاب المطامع يطلقون العنان لشراهتهم المادية؟"
بدوره يؤكد باتريك غصن الذي تنقل بين عدة بلدان للعمل "انه زار العديد العديد من دول العالم لكن الاسعار في بيروت هي الاغلى، مقارنة بمستوى الخدمات الموجود في البلاد".
من جهتها تعتبر ديامان الخوري: "انها متعلقة بالسهر كوسيلة للخروج عن روتين الحياة، فالدولة لا تهتمّ بتخصيص الشباب بنواد رياضية او ترفيهية لايجاد وسيلة اخرى للهو. من جهة اخرى لا تراقب الوزارات المعنية بالاسعار لا سيما في الحانات غير المصنفة حيث الاسعار مرتفعة نظراً للخدمات ونوعية المشروب الذي يقدم".
بالمقابل، يقول جوليان اسمر: "انه يخرج للسهر مرة في الشهر مع صديقته لأن كلفة السهرة لا تقل عن 150 دولاراً، هذا اذا اراد ان يقصد مكاناً مقبولاً نسبياً".
كما ويعتبر فايز قرباني: "انه لا يقصد سوى الحانات الصغيرة ليستمتع بالموسيقى الجميلة. هناك الاسعار مقبولة نسبياً حيث يتراوح ثمن الكأس ما بين 10 آلاف و15 الف ليرة. وهذا المبلغ مناسب لميزانيته غير انه لا يزال مرتفعاً مقارنة مع الدول الاخرى".
في المجمل، وبعيداً عن الملاهي ذات 5 او 4 نجوم، هناك اسعار متعارف عليها، تكون مترافقة مع نوعية الخدمة ونوع المشروب الذي يتم تقديمه، والا باتت المسألة غشّاً وسرقة، لا سيما ان بعض الحانات تقدم "مشروباً مغشوشاً" ما يؤثر سلباً في صحة الزبائن.
في كل الدول تفرض الوزارات المعنية اسعاراً موحدة على الاماكن غير المصنفة اضافة الى مراقبة سير العمليات الاقتصادية وتنظيم العمليات التجارية، فمتى نسير على خطى تلك البلدان التي همها الاول والاخير مصلحة المواطن؟