مع بداية موسم كل صيف، التساؤلات كثيرة والجواب واحد. لكل شيء ثمنه في لبنان، بما في ذلك المياه والرمل والشمس، وربما حتى الهواء. ولا عجب في ان يغرق الناس في الديون او ينكفون عن الطعام لمدة شهر في سبيل تمضية يوم واحد في مسبح خاص أسعاره أقل ما يمكن القول عنها إنها حارقة لا بل لادعة، اكثر بكثير من اشعة شمس الصيف!


بين رسوم "الدخولية" ومصاريف الأكل والشرب تتخطى تكلفة اليوم الواحد 50 ألف ليرة للشخص الواحد، فكيف الحال إذا كان عدد أفراد الأسرة أربعة او خمسة؟
هل اصبحت السباحة على شواطئ لبنان حكراً على الأغنياء فقط، علماً ان الغالبية الساحقة من المنتجعات تخالف القانون القاضي بجعل البحر ملكاً للعموم؟
لا تزال الأسعار تلهب جيوب المواطنين الذين أثقل تردي الاوضاع الاقتصادية كاهلهم، واصبحوا يفكرون ويحسبون ألف حساب قبل ارتياد المسابح الخاصة. فالبحر لم يعد ثروة عامة يتمرّغ على رماله الناس، ويتمتعون بشمسه ودفء مياهه، بل أصبح ملكاً لمن ابتلعه بلا حسيب أو رقيب. هؤلاء يزيدون التسعيرة وينتقون النخب المالية لدخول مسابحهم الخاصة والغالية، كما ويتحكمون بالموارد التي أنعم الله علينا بها لحصد الثراء السريع حتى التخمة.
هذا الواقع دفع بكثير من العائلات الى استبدال النشاطات البحرية بأخرى سعياً منها إلى ادّخار القرش الابيض الى اليوم الاسود بما ان تكلفة دخول عائلة الى مسبح خاص قد تتخطى 200 الف ليرة.
أما الأُسر المحدودة الدخل، فكلفة زيارتها البحر تضاهي نحو 15% من راتب العائلة، من دون احتساب الأثمان الباهظة لمياه الشرب، والطعام وغيرها. أما البحث عن مسابح شعبية خالية من الأوساخ والنفايات والمياه الملوثة، فمن سابع المستحيلات.

دور الوزارة محدود

في هذا الاطار يشير وزير السياحة ميشال فرعون "الى ان دور الوزارة محدود نسبياً بما يتعلق بمسألة الاسعار، لأن اقتصاد لبنان حرّ. من هذا المنطلق، لا صلاحية لوزارة السياحة في مراقبة أسعار بطاقات الدخول إلى المسابح الخاصة، ولا في تسعيرة المأكولات والمشروبات. بل يقتصر عمل الوزارة على التأكد من ناحية مراعاة شروط النظافة وتوفير شروط السلامة العامة. أما الباقي فيندرج ضمن اطار مسؤوليات وزارة الاقتصاد".

أسعار خيالية

اذا تمت مقارنة أسعار الولوج الى المنتجعات السياحية للسباحة بين لبنان ودول اخرى، نجدها مرتفعة لا بل مرتفعة جداً علماً أننا لسنا في جزر المالديف ولا في هاواي ولا في غيرها.


تتفاوت أسعار دخول المنتجعات البحرية بحسب عدد نجومها، بما لا يقل عن 15 دولاراً كحد أدنى ويصل سعر الدخول الى 50 دولاراً.

أكثر من 300 من المنتجعات البحرية الممتدة على طول الساحل اللبناني تتفاوت أسعارها بحسب عدد نجومها، وبحسب الطبقة الاجتماعية لقاصديها. فيما تقارب الأسعار الازهد ما لا يقل عن 15 دولاراً "دخولية" وقد يصل سعر الدخول الى 50 دولاراً كلما ازداد عدد النجوم الحائز عليها المنتجع.
في سياق متصل، يشير جان بيروتي، رئيس نقابة المؤسسات السياحية البحرية وأمين عام اتحاد النقابات السياحية في لبنان الى أنه "ليس هناك زيادة في الاسعار هذه السنة، فهي لا تزال على حالها كما في السنوات السابقة. هذا وتتفاوت الاسعار بين مسبح وآخر نظراً لدرجة المسبح والخدمات المقدمة فيه. غير ان 60 % من المنتجعات البحرية هي من فئة الثلاث أو الأربع نجوم، وهي بالتالي تتقاضى أسعاراً مدروسة لا تتعدّى الـ 20 ألف ليرة لبنانية. في المقابل هناك مؤسسات كبيرة خمس نجوم وهي التي تبلغ تعرفتها بين 35 و50 ألف ليرة لبنانية. غير ان اللبناني يحب ان يميز نفسه فهو يذهب برضاه الى اغلى الاماكن ثم يشكو من الغلاء".
ويضيف بيروتي ان "كل المؤسسات مرغمة على اعلان أسعارها التي تكون مصدقة من قبل وزارة السياحة، عملاً بمبدأ المضاربة المسموح به. اما مراقبة اعمال هذه المؤسسات فتكون من قبل وزارات السياحة والاقتصاد والصناعة والصحة، فالأسعار في لبنان تراقب من وزارة السياحة، ولكنها تبقى حرة، وتبقى كل مؤسسة حرة بوضع سياستها للأسعار. انطلاقاً من هنا، يبقى الخيار للمواطن اللبناني الذي يقرر اين يذهب، بحسب ذوقه وقدرته المادية".
ويتابع: "في ما يتعلق بدور النقابة، فهي تعطي توجيهات وتوصيات بوجوب وضع حدّ معين للتسعيرة لكنها لا تستطيع فرض الأمر، فبعض المؤسسات المرتفعة الاسعار تعتمد على تأمين كلّ وسائل الراحة والرفاهية وهذا أمر مكلف. لذا، فالمسؤولية تقع على مرتادي هذه الأماكن. بالمقابل، فإن الشخص المتوسط الدخل يستطيع أن يقصد مسابح جيدة تمتاز بالنظافة وتلتزم شروط السلامة العامة بكلفة زهيدة، فليست كل المسابح مصنفة بخمس نجوم".

امتعاض بالجملة

يُرصد بين محبّي الشاطئ والمسابح والنشاطات الصيفيّة عموماً، امتعاضٌ من الأسعار المرتفعة التي يصفها البعض بأنّها خياليّة، والبارز أن الولوج الى الشواطئ والمنتجعات السياحية أصبح حكراً على الأغنياء والسياح، اذ يدفع هؤلاء مبالغ تكاد تكون خيالية للاستمتاع بالرمال والمياه، اما الفقراء فيكتفون بالسباحة في الجانب الآخر من البحر، حيث عمليات التنظيف شبه غائبة، وحيث ادنى وسائل الأمان غير متوافرة.
من جهتها، تعتبر ريبيكا القسيس وهي طالبة في الجامعة "أن أرقى مسابح دول العالم ليست بهذه الأسعار، فمن المفروض أن تؤمن الدولة المسابح المجانية للمواطنين، فماذا يمكن للّبناني ان يفعل خلال موسم الصيف الحار غير التوجه الى المسابح؟ لكن، اصبح البحر لفئة دون سواها، اما طلاب الجامعات، فعليهم ان يدّخروا من مصاريفهم اذا ارادوا قصد احد المسابح الخاصة نهاية الاسبوع".
من جهة اخرى، يقول ابراهيم سعيد وهو ربّ أسرة مؤلفة من اربعة اشخاص "ان الغلاء لا ينحصر فقط على تسعيرة المسابح بل أيضاً الأكل داخلها، هناك مسابح تأخذ تسعيرة 25 و35 الف ليرة لبنانية للشخص الواحد. مع عائلة مكونة من 4 أولاد كيف ستتدبر هذه العائلة امرها؟ وداخل المسابح اسعار المأكولات والمشروبات خيالية. لذلك من الضروري فرض رقابة جدية على اسعار الطعام، الى جانب إقامة مسابح شعبية لائقة، كما في كل دول العالم".
اما رين قرقماز، فتعتبر ان "الأسعار خيالية، فكل مرة تذهب مع ولديها القاصرين الى احد المنتجعات الخاصة تتكلف حوالى 150 دولاراً، وهذا يوازي تقريباً نصف الحد الادنى في لبنان، والمسابح لا ترحم احداً"، والامر برأيها كفر ان كانت اسعار المسابح او اسعار المأكولات داخلها. "كيف يمكن اليوم لعائلة ذات دخل محدود ان تتوجه الى تلك المسابح ام اصبحت للاغنياء فقط؟".
عن اسعار الطعام المرتفعة داخل المنتجعات السياحية يقول كريستوفر الحاج: "انها مرتفعة جداً، اذ تتخطى اضعاف اسعار النوعية عينها في الخارج. وهذا أمر غير منطقي بخاصة عندما يدفع الشخص ثمن دخول باهظاً، اقل ما يجب فعله هو مراعاة المواطن بسعر الطعام والشراب".
من جهة اخرى، يقول شادي خليل: "انه يقصد منتجعاً تبلغ كلفة الدخول اليه 30 ألف ليرة، وهذا السعر، إذ يبدو مرتفعاً إلى حدّ ما، غير أنّه يبقى ارحم من بعض المنتجعات حيث يصل السعر إلى 50 ألف ليرة. لان المسابح التي تعتبر ذات مستوى متوسط اضافة الى المسابح العادية التقليدية لا تؤمنان خدمات جيدة اجمالاً".
في كل دول العالم من دون استثناء البحر ملك عام لجميع المواطنين، غير ان لبنان لم يترك من شاطئه سوى بضعة أمتار قليلة مخصصة للمسابح الشعبية، حارماً بذلك ابناءه الفقراء وغير الميسورين حتى من مياه بحره، التي هي ملك للجميع قبل أن تصبح ملكاً للبعض فحسب.