على رغم المعارضة القوية التي واجهت عبد الفتاح السيسي خارجياً بعد 30 حزيران/ يونيو 2013، فإن الدعم السعودي والإماراتي في البداية، واستخدام المدير السابق لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» محمد البرادعي، الذي عُيّن نائباً لرئيس الجمهورية، في التواصل مع العالم، ساعداه على تجاوز الأزمة في الأسابيع الأولى. حتى مع خروج البرادعي مستقيلاً، وفضّ اعتصامَي رابعة العدوية والنهضة، وعمليات القتل والقمع غير المسبوقة، استطاع «الجنرال» تجاوز ذلك كلّه سريعاً لأسباب مرتبطة بتوافر دعم عربي، وخليجي تحديداً، والموقف الأميركي الذي كان ضبابياً إلى حدّ ما، فضلاً عن التوجه نحو الشرق تجاه روسيا والصين، وتغيير خريطة الحلفاء التقليديين: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

في البداية، أظهرت واشنطن رفضاً لانقلاب الجيش، لكنها لم تتخذ قرارات أكثر من تطبيق عقوبات اقتصادية عوّضتها المساعدات الخليجية من الرياض وأبو ظبي، التي وفرت مواد بترولية وأموالاً لدعم الاحتياطي النقدي. على خط موازٍ، أعاد وزير الخارجية السابق، نبيل فهمي، العلاقات مع روسيا، وسافر إلى موسكو بعد أسابيع من الانقلاب، في محاولة لإعادة فتح خطوط التواصل، وهو ما حدث بالفعل في زيارة أخرى لفهمي رافقه فيها السيسي بصفته وزيراً للدفاع، والتقى خلالها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قبل أيام من استقالة السيسي وترشحه لرئاسة الجمهورية.

قدّم السيسي نفسه بوصفه قادراً على منع الهجرة إلى أوروبا


من جهة أخرى، لعب الدعم الآسيوي للنظام في مرحلة ما بعد «30 يونيو»، وغياب الاستقرار في ليبيا وسوريا، دوراً كبيراً في فتح قنوات للتواصل مع الاتحاد الأوروبي وواشنطن. وعلى رغم أن الأخيرة ظلّت علاقاتها متوترة مع القاهرة حتى رحيل إدارة باراك أوباما، لكنها أفرجت عن عدد من المساعدات المُجمّدة تحت ضغط التوسع المصري في استيراد السلاح من روسيا، وتوقيع اتفاقات لشراء أسلحة من دول أخرى. في هذا الإطار، تجاوزت صفقات السلاح التي تم إبرامها حاجز 30 مليار دولار، كان الجزء الرئيس منها من روسيا وفرنسا. ووفق تقارير عسكرية، جعلت هذه الصفقات، والقواعد العسكرية التي تم إنشاؤها أو إعادة تأهيلها، واردات مصر من الأسلحة تقفز بنحو 250%، خاصة بعدما صارت «المحروسة» من أكبر مستوردي السلاح في العالم، بل حصلت على صفقات نوعية جديدة، منها «ميسترال» وفرقاطات بحرية، إضافة إلى «رافال» الفرنسية.
هكذا، على رغم وصف ما حدث آنذاك بالانقلاب العسكري، فإن المصالح الأوروبية أدت إلى استعادة العلاقات، بداية من أموال السلاح التي جعلت فرنسا تتبنّى مواقف مهادِنة، وكذلك ألمانيا التي أبرم معها صفقات كبيرة، وصولاً إلى بريطانيا التي كانت حجر عثرة دام أطول من باقي الدول الأوروبية. وفي خضمّ أزمة الهجرة إلى القارة العجوز، قدم السيسي نفسه بوصفه قادراً على منع عشرات الآلاف من الوصول إلى أوروبا، بإغلاق محطات السفر غير الشرعي من المدن المصرية. خطةٌ نجح في تنفيذها بالكامل قبل أكثر من ثلاث سنوات مقابل مساعدات عسكرية ومالية، بل فاوض لإقامة معسكر للمهاجرين على الحدود مع ليبيا، لكن جهات سيادية اعترضت بسبب التخوف من تحول المعسكر إلى مخيم لاجئين يشكل مصدراً للإزعاج.
على مدى السنوات الست الماضية، استغلّ السيسي الظروف السياسية العالمية المختلفة، واستفاد من المصالح في جعل «العالم الأول» يتغاضى عن انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت مثار حديث دائم في ظلّ الأنظمة السابقة، فضلاً عن تجنّبها الاعتراض أو حتى التحفظ على خنق المناخ العام وسجن المعارضين حتى لو كانوا من صلب النظام، وهو أكثر ما كان محرجاً للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الأخيرة للقاهرة.