من أسوأ ما يتعرض له أي بلد أن يفضي انكسار الرهانات الكبرى على حدث جوهري في التاريخ إلى التشكيك في شرعيته، أو أن تتفاقم مشاعر الندم على المشاركة فيه.

إذا ما نزع الحدث عن الأسباب التي دعت إليه، والأجواء التي أحاطته، وموازين القوى التي صنعته، والتداعيات التي لحقته، فإنه يفقد صلته بالتاريخ، أو بأي قدر من التبصر بالحقائق الأساسية. شيء من ذلك يحدث الآن.
هناك من هو مستعد ـــ باليأس أو بالغضب ـــ أن ينفي عن «٣٠ يونيو» طبيعتها كثورة شعبية طلبت الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة، ويحيلها إلى مجرد مؤامرة، أو محض خديعة. إذا جاز الحكم على الثورات بانكسار رهاناتها، أو ذهاب جوائزها إلى غير أصحابها، فإنه لن تتبقى ثورة واحدة في التاريخ تستعصي على مشاعر الندم.
الندم فعل تأنيب قد يتحول إلى فعل يأس يمتد إلى خلط أوراق وقلب حقائق ونفي أي سياق وتعلم أي درس. في فورات الندم تكاد الحقائق تغيب ويكاد اليأس من المستقبل يسود.
لم تكن «يونيو» أول ثورة مصرية تجهض وتختطف جوائزها. «يناير» تعرضت لنفس المصير في ظروف وملابسات أخرى.
هكذا اختطفت في سنوات قليلة ثورتان، هما بالتعريف الدستوري ثورة واحدة، الأولى ـــ من جماعة «الإخوان المسلمين»... والثانية ـــ من الماضي الذي ثار عليه شعبه.
لا الدعاية تقدر على رواية التاريخ بإقناع... ولا الانتقام يصلح لأيّ رواية. لم تكن «يناير» مؤامرة بقدر ما كانت صراعاً مفتوحاً على المستقبل توافرت أسبابه في انسداد القنوات السياسية والاجتماعية وتهميش دور مصر في عالمها العربي، فضلاً عن «مشروع التوريث» وزواج السلطة بالثروة وتفشي الفساد وارتفاع منسوب الدولة الأمنية.
لا يعني اختطاف «يناير» نفي شرعيتها، وإلا فإنه تدليس على التاريخ. بالقدر ذاته، لا يمكن النظر إلى ما جرى في «٣٠ يونيو» من احتجاجات وصدامات وتظاهرات مليونية خارج سياق الصراع على المستقبل.
لم تكن «يونيو» انقلاباً بقدر ما كانت طلباً جماهيرياً لدرء مخاوف الانجراف إلى احتراب أهلي وهيمنة جماعة واحدة على كل مفاصل الدولة. أرجو ألا ننسى الحقائق، وإلا فإنه تدليس آخر على التاريخ.
على الرغم من أي إحباطات وانكسارات في الروح والسياسة والمجتمع، فإن التاريخ هو التاريخ. الشعوب الحية تراجع تجاربها حتى تعرف أين كانت الأخطاء القاتلة التي تفسر الانكسارات، غير أن أسوأ مراجعة نزع شرف الثورة عن المجتمع المصري.
لم يكن ممكناً أن تحدث «يونيو»، إذا لم يكن المجتمع المصري قد تسيّس في «يناير» واكتسب حقه في التعبير عن نفسه بالتظاهر السلمي.
فصل «يونيو» عن جذرها الأم هو بذاته مؤامرة على الثورة ـــ إذا صح حديث المؤامرات. بالقدر ذاته، فإن الندم على «يونيو» هو خيانة لـ«يناير» ـــ إذا صحّ حديث الخيانات.
هناك فارق جوهري بين شرعية الثورة وما انتهت إليه. أرجو أن نتذكر أن طلب الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة صلب «٣٠ يونيو».
الشرعية التاريخية هنا بالضبط، ولا توجد شرعية أخرى. لأي انكسار أسبابه، وذلك يستدعي المراجعة الشاملة داخل سياق الحوادث لا خارجها. نفي طبيعة الصراع في «يونيو» مشروع تكرار لأخطاء الماضي بصورة أكثر كارثية.
لم يكن الصدام أمراً عارضاً يمكن تجنّبه، فهو على طبيعة الدولة ـــ دينية أم مدنية؟
بدأت المواجهة مبكراً في أجواء الاستفتاء على التعديلات الدستورية آذار/مارس ٢٠١٣. رغم أن التعديلات المستفتى عليها لم تكن لها أيّ صفة دينية من قريب أو بعيد، إلا أن الفرز الطائفي بدأ والاحتقانات تصاعدت.
كانت تلك جريمة كبرى بحق الثورة وطلبها للحرية والعدالة وتأسيس نظام جديد يلتحق بعصره. شاركت أطراف عديدة في حرف الثورة عن مسارها الطبيعي، والدخول في نفق لم يكن منه مخرج.
تقاسمت الأخطاء الجماعة الأكثر قوة وتنظيماً، بظن أن الفرصة حانت لـ«التكويش» على السلطة بمفردها، والمجلس العسكري الذي ذهب لاستفتاء لم يكن له ضرورة قبل أن يدمج نتائجه في إعلان دستور تضمن بنوداً كثيرة أخرى كأنه لم يكن.
تواصلت النذر من إجراء انتخابات بلا دستور وإقصاء القوى المدنية إلى حصار المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامي ومحاولة «أخونة الشرطة» والتحرش بالجيش، حتى وصلت ذروتها في إعلان دستوري يضفي صلاحيات مطلقة على رئيس الجمهورية، رغم أنه لم يكن من حقه إصداره، ووضع دستور جديد يؤسس لدولة دينية.
كان الصدام محتماً، وأي احتمال آخر لم يكن ممكناً.
في «يونيو»، كما في «يناير»، دخلت أطراف أخرى على الخط، وتداخلت اعتبارات ومصالح واستراتيجيات إقليمية ودولية.
لا تجري الثورات في معامل كيمياء. الاختطاف أحد سيناريواتها المحتملة إذا افتقدت القيادة والرؤية، أو اختلت موازين القوى وضاعت الأهداف الرئيسية في زحمة البحث عن فتات مصالح. ذلك ما حدث مرتين.
بكلام آخر، شرعية «يونيو» تعرضت لضربتين قاصمتين من اتجاهين متعارضين. الأولى، بالسياسات التي استدعت الماضي مجدداً وشيوع روح انتقامية من «يناير» وتضييق المجال العام أمام حركة المجتمع وتنحية السياسية وتأميم الإعلام وتبنّي خيارات اجتماعية دفعت بمقتضاها الطبقة المتوسطة والفئات الأكثر عوزاً فواتير الإصلاح الاقتصادي من دون أي عدل في توزيع الأعباء.
الأخطر أن هناك من تصور أن كسر الأجيال الجديدة يثبّت الدولة، بينما هو يضرب في جذرها وينذر بمجهول لا يعرف أحد متى وكيف يطل علينا بأخطاره؟
والثانية، بمشاعر الإحباط، التي وصلت إلى ما يشبه الكآبة العامة في البيئة المحتقنة. كان الندم أحد تجلياتها على المشاركة في «يونيو».
الشعوب لا تندم على ثوراتها ومعاركها وأحلامها وتضحياتها، وإلا فإنه اليأس من أي تغيير، أو تصحيح للمسارات المختلة.
المراجعة بالدرس شيء والندم باليأس شيء آخر تماماً.
تعرضت أحداث «٣٠ يونيو» إلى التشويه المنهجي من طرفين متناقضين. هناك من... ومن أفرط ـــ في المقابل ـــ في تشويهها بدواعي الانتقام.
الأول، حوّل أحداثها إلى شرائط دعائية تعادي في الجوهر «يناير» وتلغي شرعيتها، التي تستمدها من كونها استئنافاً لما سعت إليه الثورة الأولى في طلب دولة الحرية والعدالة... دولة القانون والمؤسسات.
والثاني، تصوّر أن نفي طابعها الشعبي يعفيه من مسؤولية تعطيل المسار الديموقراطي، وأن انكسار رهاناتها ينفي عنه فشله في الحكم وترويع القوى المدنية بقوائم سوداء للإعلاميين والسياسيين وقوائم اعتقالات كانت جاهزة إذا ما فشلت تظاهرات «٣٠ يونيو».
إذا ما جرى تجاهل حقائق ذلك اليوم، فإننا نظلم التاريخ، ونظلم المثقفين الذين غضبوا وتوحدوا وواجهوا الموقف الصعب في اعتصام وزارة الثقافة، ونظلم الحركة الجماهيرية باتساع البلد كله التي سقط منها ضحايا وشهداء حتى لا يتحول إلى دولة دينية تستبد بها جماعة واحدة، ونظلم القوى المدنية التي توحدت بقدر ما تستطيع لدرء الأخطار المحدقة.
أياً كانت فداحة الإحباطات، فإن إنصاف «٣٠ يونيو» ردّ اعتبار لقدرة الشعب المصري على الفعل والتغيير ولحقه في صناعة مستقبله بإرادته الحرة من دون يأس.
*كاتب وصحافي مصري