خرجت البعثة العلمانية الفرنسية عن صمتها حيال أزمة هزت مدارسها الخمس طيلة الأشهر الماضية. حضر مديرها، جان كريستوف دوبير، خصيصاً إلى بيروت للملمة التشظي الذي أصاب العلاقة مع أهالي التلامذة وسد أبواب الحوار. اتخذ دوبير وضعية الدفاع عن مؤسسة خسرت، في المواجهة الأخيرة مع الأهل ولجان الأهل، الكثير من رصيدها. قرر أن يرد على ما سماه هجوماً منظماً وتشهيراً وشكوكاً وأخباراً وهمية وشتائم وافتراءات هدفها القضاء على البعثة لا مساعدتها لإيجاد الحلول التي تتوافق مع القانون. ومن هذه الاتهامات القول إنّ «مدارس البعثة لا تحترم الشفّافية، تغتني على حسابنا، تسرق الأهالي، تستطيع أن تتحمّل لوحدها كل الزيادة».

بالنسبة إلى البعثة، خيار الصمت أو «الصبر»، كما سماهه كان مطلوباً لسببين: الأول أن بعض مدارسها كان ولا يزال أمام قاضي الأمور المستعجلة، وبالتالي كان يجب انتظار الأحكام القضائية النهائية. واليوم مع توقيع ثلاث اتفاقيات من أصل خمس مع لجان الأهل، وجدت نفسها أمام وضع جديد يسمح باستخلاص العبر والدروس مما حصل.
أما السبب الثاني فهو إجراء محاولات تصب في خانة المنطق في تطبيق القانون 46 الصادر بتاريخ 21 آب 2017 والمتعلق بسلسلة الرتب والرواتب، إلا أنّ الاقتراحات لم تلقَ آذاناً صاغية بل لم تُسمع بالمطلق، بحسب تعبير دوبير.
اللافت هنا ما قاله لجهة أن الأزمة «كانت مضيعة للوقت ومصدر قلق وهدم لسنا بحاجة إليه ما دامت الاتفاقيات الثلاث التي عقدت بليسيه فردان وليسيه نهر إبراهيم وليسيه النبطية عادت بنا إلى نقطة البداية، بما معناه إلى الاقتراحات الأوليّة للبعثة: تسديد فوري للسلسلة (بمعدّل زيادة 8 في المئة على الأقساط) وتسديد مؤجّل للدرجات حسب الأوضاع، وهذا ما وافق عليه الأساتذة».
وكان مستغرباً أن يرى المدير العام أنّ لجوء لجان الأهل إلى قاضي الأمور المستعجلة حظّر أي حل لكون المجالس التحكيمية التربوية هي المرجع المختص رغم اقراره بأنّ هذه المجالس غير مشكّلة، وبالتالي فإنّ لجان الأهل في هذه الحالة لم تكن تملك سوى هذا الخيار للدفاع عن مصالحها وحقوقها.
والآن ما الذي دفع البعثة إلى الرد؟ دوبير تحدث عن «تهديدات شخصيّة تعرض لها اثنان من مدرائنا ما دفعنا للخروج عن صمتنا، فعندما نشهد تهديدات لأشخاص ومؤسّسات ولا نفعل شيئاً نصبح نحن أيضاً مذنبين».
في الواقع، لم يقل المدير العام أمس شيئاً مختلفاً عن الرسالة التي بعث بها ورئيس البعثة إلى لجان الأهل في 25 أيّار الماضي حيث حذر من خطورة الوضع، و«أننا لم نعد أمام اعتراضات كما ينظّمها القانون عادة، بل نواجه إرادة واضحة في عدم تجاوز الأزمة، واستراتيجيّة مقصودة لعدم العثور على الحلول الصحيحة».
دوبير رأى أن الإقرار بالحوار والإدارة الشفافة لا يعني القبول بإملاءات تختبئ وراء ستار المصلحة العامة، وهي في الحقيقة محاولة لمشاركتنا في إدارة مدارسنا، وهذا ليس ممكناً بالقانون لكل منّا وظيفته الخاصّة.
وإذ أقرت البعثة بأن الأقساط المدرسية ازدادت بشكل متدرج، أكدت أن «كل الزيادات مبررة بالوثائق والقانون، ومدارسنا لا تستطيع الاحتفاظ بقدراتها التنافسيّة إلاّ إذا استمرينا في دفع كلفة الحفاظ على مستوى أهدافنا. هذا تحديداً ما يطلبه الأهل وهم أيضا من يلومنا عندما نتخذ قرارا بزيادة الأقساط التي لسنا سببها مطلقاً لأنّ قانون السلسلة يعود للدولة».

قبولنا بالحوار لا يعني السماح باملاءات لمشاركتنا في ادارة المدرسة


بدوره، تحدث محامي المدرسة، محمد عالم، عن معلومات خاطئة سرت في المرحلة الماضية نافياً أن يكون القضاء المستعجل الخيار الوحيد للجان الأهل بل الحوار، باعتبار أن عدم تشكيل المجالس التحكيمية ليس من مسؤولية الأهل أو إدارة المدرسة بل يقع على عاتق الدولة التي وضعت الجميع أمام أمر واقع من دون أن تحسب العواقب. ولفت إلى أنّ المقارنة مع أقساط المدارس الأخرى بنفس المستوى التعليمي تشير إلى أن أقساط الليسيات أقل بنحو 2000 دولار، مؤكداً «أننا منحنا لجنة الأهل تحديداً في الليسيه الكبرى الوصول إلى جميع سجلاتنا المحاسبية المتعلقة بالميزانية للسنتين 2015 ــــ 2016 و 2016 ــــ 2017». وفي الأرقام، أكد أن الأقساط ارتفعت خلال 10 سنوات بنسبة 130%، وليس ثلاثة أضعاف كما يقول الأهل.
ماذا عن النزاع في الليسيه فردان: هل انتهى فعلاً وما هي صحة ما يقوله محامو الأهل عن أن تجميد الزيادة لا يفك إلا بقرار من قاضي الأمور المستعجلة والمدرسة لا تستطيع أن تحرّر أي ايصال بالزيادة؟ أوضح عالم «أننا طلبنا من القاضية أن تتنحى باعتبار أن الطرفين المعنيين، أي الإدارة ولجنة الأهل وقعا على الاتفاق».
الى ذلك، أوضحت مصادر لجنة الاهل في الليسيه الكبرى ان الأهل «ليس لديهم شيء ضد البعثة العلمانية الفرنسية التي اختاروا مدارسها عن قناعة تامة وهم لم يوقفوا يوما المفاوضات معها، إلا أنهم لا يستطيعون في الوقت نفسه أن لا يروا حجم الزيادة على الاقساط التي تضاعفت في السنوات العشر الأخيرة، واللجنة كانت اول من حرر الزودة من الميزانية لتطبيق القانون».
يذكر أن جلسة المحكمة للبت بالاتفاق في الليسيه الكبرى ستعقد الاثنين المقبل