في المقدمة التي كتبها خصيصاً للطبعة العربية من كتابه «بشر للرّمي: العبودية الجديدة في الاقتصاد العالمي» (دار قدمس ـــــ ترجمة صخر الحاج حسين)، يشير الصحافي الأميركي كفن بلز إلى ازدهار نوع من العبودية في العالم العربي، كمحصّلة للصراعات المسلحة التي نشبت في هذه المنطقة خلال العقدين المنصرمين.

وهو الأمر الذي خلق أرضاً خصبة للاتجار بالبشر. نساء من إندونيسيا وسريلانكا والفليبين والحبشة والعراق، وجدن أنفسهن ضحية خدعة محبوكة جيداً من وكالات خادمات المنازل، إذ تعرّضن لتهديدات واعتداءات جنسية وأعمال شاقة، تنتهي ببعضهن إلى مستنقع البغاء. تصف بياتريس فرناندو من سريلانكا معاناتها بعد وصولها إلى لبنان بقولها: «أجبرني موظفو الوكالة، بعدما صادروا جواز سفري، على أن أقف في نسق مع مجموعة أخرى من النساء الواقعات في الورطة ذاتها، وأخذ الرجال والنساء اللبنانيون يمرّون أمامنا، يتفحصون أجسادنا كأننا مكانس كهربائية، ثم اشترتني امرأة ثرية».
بعدما غلبها اليأس، قفزت بياتريس من شرفة في الطابق الرابع محاولةً الهرب، فأصيبت بالشلل. أما اليوم، فهي تعيش في الولايات المتحدة الأميركية حيث تعمل وتناضل ضد العبودية. هذه واحدة من آلاف القصص المشابهة التي يوثّقها بلز خلال تجواله في أرجاء العالم لتأريخ أشكال العبودية. القوانين التي أصدرتها الأمم المتحدة، والمنظمات الأهلية لمنع الاتجار بالبشر، لم تتمكن من طي هذه الصفحة، رغم مرور 5000 سنة على وجودها.
العولمة والتحولات الاقتصادية والحروب، أفرزت تجارة جديدة و«أرباحاً ملوثة بدماء البشر». الشريط السينمائي الذي اقتُبس من هذا الكتاب، عن العبودية في مزارع الكاكاو في غربي أفريقيا، يفضح هذه الجريمة العابرة للحدود «فالشوكولاتة التي يتناولها أطفالنا، والتي نستمتع بطعمها، ملطّخة بالعبودية»، بسبب تشغيل عمالة الأطفال في أقسى الشروط الحياتية. سوف يصاب كفن بلز بصدمة كبيرة، وهو يكتشف أنّ أقدم أنواع العبودية، لا يزال قائماً في موريتانيا. هناك ملّاك للعبيد، لم تتمكن الحكومات من مواجهة وحشيتهم لأسباب قبلية في المقام الأول. فقد ذهبت كل الوعود في القضاء على العبودية أدراج الرياح. تزدهر تجارة البغاء في المملكة العربية السعودية، وقطر والإمارات بخصائص مختلفة. تروي الفتاة الأرمنية ألينا أنّها قبلت عملاً جيداً في شركة في اليونان، لكن بدلاً من ذلك وجدت نفسها في أحد فنادق دبي، ليأتي رجل ويصطحبها إلى فندق آخر. ويخبرها بأنّها صارت ملكه، بعدما باعته إيّاها صديقتها «كان عليّ أن أعطيه في نهاية كل يوم 500 دولار، بغض النظر عن عدد الزبائن الذين أعاشرهم».
أما تايلاند، فهي جنّة الجنس الرخيص، بتعبير كفن بلز الذي قام بجولات ميدانيّة هناك. مواخير علنية بحماية الشرطة، مقابل رشوة محددة أسبوعياً، تتضمن إعادة الهاربات بعد معاقبتهن. سماسرة يبتاعون الفتيات من القرى ويبيعونهن إلى المواخير: «إن البغاء القسري تجارة رابحة. النفقات منخفضة والعمل مزدهر والأرباح هائلة» يكتب. لا تكتفي تايلاند بالاتجار المحلي بالنساء، بل تصدّر نحو خمسين ألف امرأة إلى مواخير اليابان وأميركا وأوروبا، بصورة غير شرعية، وبجوازات سفر مزوّرة، وتحت مسميات مختلفة. انتعش هذا «البزنس» في ستينيات القرن المنصرم وسبعينياته، نتيجة وجود أربعين ألف جندي أميركي كانوا يتمركزون في تايلاند. وبعد إغلاق هذه القواعد، وجدت الحكومة التايلاندية في تجارة الجنس مصدراً مهماً للدخل. وتتواصل بانوراما الرعب: في الباكستان، تزدهر عبودية من نوع آخر، تتمثل في استخدام الأطفال في صناعة الآجرّ ومعسكرات الفحم بهدف إعانة أسرهم الغارقة في الديون. وغالباً ما يُحجز هؤلاء الأطفال لمصلحة مالكي الأفران، سنةً وراء أخرى من دون أمل في الخلاص. لا تختلف الأوضاع كثيراً في الهند. الديون قد تؤدي إلى إيداع طفل من العائلة لدى المالك، في ورديات عمل متواصلة، تفرضها شروط إقطاعية وقبلية متوارثة من جهة، ورأسمالية حديثة من جهة ثانية. التفجّر السكاني والتغيّرات الاقتصادية والفساد، كانت عوامل أساسية في استمرار العبودية التي باتت اليوم إحدى أهم علامات الاقتصاد المعولم، بوصفها «سلعة زهيدة ومستهلكة».