لا تختلف نبرة نزيه أبوعفش في يومياته عن تلك التي عرفناها في قصائده. لا تزال مذاقات شعره موجودة في كتابه «مضى الربيع كله» (دار الآداب). ما حصل أن الشاعر السوري تخفف قليلاً من ضغط جملته لصالح كتابة أكثر نثرية وأكثر استطراداً، ولكن النثرية والاستطراد لا يُطيحان الحساسية الشعرية وخلاصاتها ومناخاتها التي عرفناها في دواوين الشاعر ونصوصه النثرية السابقة أيضاً.

لقد ربّى صاحب «أيها الزمان الضيق/ أيتها الأرض الواسعة» جملته في معجم يحتفي بالإنسان العادي ومخاوفه ويأسه وآماله وقلة حيلته أمام الموت والقتل وأسئلة الوجود اليومي. جملةٌ التصقت بتجربته الشعرية التي تطل على العالم من وجهة نظر الشاعر/ الإنسان المهدَّد والخائف والمنتظر أن تنتصر هشاشة الكائن ومسرّاته الضئيلة وأحلامه البسيطة على آلة البطش والقتل التي تحكم العالم وفق مصالح الأقوياء وصانعي الشرور. تماثلَ نزيه أبو عفش مع كائنات قصيدته، وتحولت آلام الناس إلى فنّ شخصي، وتحول الشاعر نفسه إلى ناعٍ لحياته وحياة أشباهه، وباتت قصائده أشبه بمرثيات متتالية حاول فيها صاحب «تعالوا نعرّف هذا اليأس» أن يجعل من اليأس نفسه مادةً للحرية والنزاهة والأمل.

الشاعر الذي تغنّى بهذا الأمل الضئيل والمستحيل لاح له «ربيعٌ» استبشر به في البداية، وتفاءل بإمكانية حدوث إصلاح سياسي حقيقي، قبل أن يتحول هذا الربيع إلى شتاء قاس، ويصبح بلده سوريا ساحة لصراعات وحروب بأجندات متعددة.

تخفف من ضغط جملته
لصالح كتابة أكثر نثرية





اليوميات بدأت من تلك اللحظة، وواظب الشاعر على نشرها بانتظام في الصفحة الأخيرة من جريدة «الأخبار»، وها هي تنشر في كتاب، بينما لا يزال صاحبها يواصل كتابة مقاطع جديدة منها، حيث «وحدها المقابر تستحق تسمية: الأوطان الصالحة»، وحيث «أنت الذي تزعم أنك قادمٌ لنجدتي، ليتكَ تعرف كم أنا خائفٌ منك»، وحيث «العبيد الذين يستقوون بعدوٍّ على سيّدهم أو طاغيتهم لن يكونوا أحراراً، بل يتحولون من عبدٍ مقتول إلى عبدٍ قاتل»، وحيث صار الربيع «ربيع المآتم» بحسب العنوان الأول لليوميات. اليوميات هي دعوة لقراءة «كوابيس» الشاعر التي تدفع «أحلامه» إلى الحائط الأخير، وتخنقها بالمزيد من أخبار القتل العاجل، بينما يتراءى لنا وسط ذلك كله شعرٌ عذب واستعاراتٌ وصور مدهشة في هذه اليوميات التي تؤرّخ (بطريقة غير مباشرة) للواقع الرهيب وجرائمه المستمرة وأعداد الضحايا المتزايدة. كأن صاحب «بين هلاكين» أراد أن «يخدعنا» بتوصيف اليوميات، لكي يمرر مزاجه الشعري الذي نعرفه. ولعلّ الدعوة إلى توقيع الكتاب مساء اليوم في معرض الكتاب البيروتي، ستكون فرصة للقبض على الشاعر الذي «فشل» في إخفاء «شعريته» العالية داخل «يومياته».

* يوقع الشاعر نزيه أبوعفش كتابه «مضى الربيع كله» ابتداء من الخامسة من مساء اليوم في جناح «دار الآداب» (معرض بيروت العربي الدولي للكتاب ـــ بيال).