دبي | في الوقت الذي تشتعل فيه الحروب في البلدان العربية باسم الدين، يأتي معرض «الصحوة» لعبد الناصر غارم (1973) في «غاليري أيام» في دبي ليحرّر الاسلام من التهم التي ألصقت به، والدم الذي يسفك باسم مذاهبه. قبل أن ينخرط في الفنون البصرية ويرسخ اسمه كأحد أشهر فناني الخليج خصوصاً بعدما حقق عمله «رسالة/ رسول» سعراً قياسياً لفنان عربي في مزاد «كريستيز» قبل سنوات، كان غارم رائداً في الجيش السعودي. في مزجه بين الوسائط المتعدّدة كالفيديو والرسم والتركيب والنحت والكولاج، قدّم الفنان السعودي طروحات عدّة في أعماله المختلفة، منها فكرة الاحتلال والسلام، والعلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة في البيئة السعوديّة من خلال قصّة جسر جرفه الطوفان في «صراط» (٢٠١١).


إذاً، ليست الصراعات الراهنة هي الدافع الأساسي وراء المعرض. غارم، ابن البيئة السعودية، يعود بالذاكرة إلى بداية فترة الصحوة في المملكة في الثمانينيات. حينها، كان التبدل وتغيّر المحيط يرغمان المرء على الانخراط في هذه الحياة الجديدة بفعل الاندماج الاجتماعي. هذا الاندماج يشكل قمعاً قاسياً على المرء، يمارسه المجتمع بوعي جماعي يخلق لدى الفرد صراعاً بين داخله وواقعه. تبلورت مشاهد الصحوة أمام غارم في المدرسة. هناك، استبدل بعض الطلاب والأساتذة مشهد التصفيق للمتفوقين بالتكبير. هذه الحوادث ولّدت لديه إحساساً بنوع من العنف داخل المرافق التعليمية. هي الصحوة الدينية التي تبدأ بمظاهر سلوكية بسيطة، ثم تتطور وتأخذ أشكالاً تطال اللباس وطريقة تصفيف الشعر والسلوكيات الشخصية في التعاطي مع الآخر. بعدها لا تلبث أن تتغلغل الدعوات الاسلامية إلى مفاهيم ايديولوجية، تطال الديانات والسياسات لتصل الى تكفير المذاهب المختلفة. هذا التكفير طال العلاقة بين السلطة والصحويين في السعودية في مرحلة لاحقة.

حضور لتأثيرات
الحضارة الإسلامية كالزخرفة والقبب والجوامع والمآذن

لا تطال خلفية العمل السعودية فقط، خصوصاً بعدما استحال هذا الصراع واقعاً يلوّن القصص اليومية لعدد من البلدان العربية التي واجهت أنواعاً أخرى من الصحويين بأشكال مقنعة، وبدت أكثر تجلياً مع حركات الربيع العربي. هكذا، ينزع غارم عن المجتمعات العربية حالة التزمت التي أقحمت الدين الاسلامي في صراعات مذهبية، ليبرزه ديناً للتنوع وتقبل الآخر ونبذ العنف. بالطبع، لا يمكن لهذه المهمة أن تتم من دون خرق المحرمات المفروضة في المجتمع السعودي، حيث لا مجال للحديث عن هذه القضايا.
انطلق غارم من وسائط رافقته في مسيرته، وتحديداً اعتماده على الحروف المطاطة التي يستخدمها لتشكيل العمل بقطع صغيرة تشبه الفسيفساء، قبل أن يقحم في لوحاته الكثير من الرموز التي ترفع مستواها المفاهيمي. هناك ما يبعث على الألفة في هذه الرموز، فتبدو كفخّ يقرّبها أكثر من المشاهد. تتباين هذه الألفة في دبابة تخرج وردة من فوهتها كما في «تمويه»، وفي طائرات تقتحم الأبراج الشاهقة كما في «إيقاف مؤقت». لا تغيب تأثيرات الحضارة الإسلامية عبر الزخرفة والعمارة المتمثّلة في القبب والجوامع والمآذن التي يدمجها الفنان في الواقع المحلي.
يأتي غارم كفنان تبشري وتنويري إن صح التعبير. يولي مهمة النقد أهمية كبيرة محاولاً إبراز رؤى جديدة في المجتمع السعودي. هذا ما نجده في الطوابع التي استخدمها في معارضه السابقة كدلالة على رفض البيروقراطية، ولم تغب عن معرضه الحالي. لم يتوان الفنان في معرضه عن إطلاق صرخة رافضة لكل ما يحدث من خلال خريطة للعالم العربي تحمل شعار «لا دموع بعد اليوم». هذه العبارة تنتشر فوق قطرات دم حمراء متوزّعة على زوايا متعددة من الخريطة. يأتي هذا النوع من المعارض لطرح القضايا من دون وسيط، لكن الحركة الفنية النقدية ما زالت حديثة في السعودية، ما يجعل هذه التجارب الفنية تقدّم خارج المملكة في أغلب الأحيان. أليس هذا ما يعزّز الاهتمام الغربي بأعمال غارم وغيره من فناني الخليج؟ أليس هذا أيضاً ما يعزّز الدهشة لدى الغرب؟ الدهشة نفسها التي دفعت بصحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً إلى طرح تساؤل حول نجاح غارم في بيئة لا تولي الفن أي اهتمام. لم يوجه هذا المعرض نقداً، بقدر ما يأخذ المرء إلى التراكمات الداخلية، ليجعلها تطفو على السطح، وتحث المتلقي على الخروج برأي وفكرة تجاه ما يلم بمجتمعاتنا من قضايا ملحة وحساسة في الوقت الراهن.



«الصحوة» لعبد الناصر غارم: حتى 30 نيسان (أبريل) ــــ «غاليري أيام» (دبي)
للاستعلام: 0097143236242