جان كوكتو أحد أغرب وأروع صانعي الأفلام في تاريخ السينما. دخل كوكتو دائرة المثقفين العظام في أوروبا عبر خطوات واثقة منذ سن صغيرة.. بدأ شاعراً وهو في السادسة عشرة، أصبح روائياً، كاتباً مسرحياً، رساماً ثم خطا في عالم الفن السابع كاتباً للسيناريو، فمخرجاً سينمائياً.

عند الكلام عن السينما الأوروبية، يفرض كوكتو حضوره. ثمّ عند الكلام عن كوكتو، تحضر أسطورة «أورفيوس». هذه الأسطورة الإغريقية التي ألهمته في العديد من أفلامه وكتاباته حتى أصبحت حجر الزاوية في مسيرته الفنية. وقع تحت سطوتها مثالاً وعلامة تماماً كجيل كامل من صنّاع الأفلام الشاعرية. فكان لا بد من عمل سينمائي يحمل اسم الأسطورة: «أورفيوس» أنتجه عام 1950 ضمن «ثلاثية أورفيك» إلى جانب «دماء شاعر» و«وصية أورفيوس».
ولكن من هو أورفيوس؟ هو موسيقي، شاعر، ونبي عند الإغريق القدماء. تقول الأسطورة إنّ أورفيوس نزل إلى العالم السفلي لاستعادة زوجته الميتة، فسحر الآلهة بموسيقاه حتى سمحوا له بإحياء زوجته شرط عدم النظر إليها مرة أخرى. خلق كوكتو هذه الأسطورة بطريقته الخاصة، أورفيوس الموسيقي أصبح شاعراً والقصة تدور أحداثها في باريس الخمسينيات، زوجته تموت فيذهب إلى العالم السفلي لاستعادتها.
عاصر الرجل الحربين العالميتين ما أشعل داخله فضولاً لاكتشاف معاني الموت، فسخّر قدراته الفنية للغوص فيه من خلال أعماله. في هذا الفيلم، يحضر عشق كوكتو للموت. الاختلاف المثير بين قصة كوكتو والأسطورة، هو الحب الذي خلقه كوكتو بين أورفيوس والموت (الأميرة). الموت شخصية رئيسية تجسّدت في فيلم كوكتو، أمّا حب أورفيوس لها، فخلق مثلثاً رومانسياً قلبَ الموازين.
هو تأويل للأسطورة التي شكلت محوراً لأعمال كوكتو، جسّد محنة الشاعر في بحث بلا نهاية عن الحقيقة والخلود، وحياة المعاناة التي تصيب الشاعر ليعود بالإلهام. يقود الموت أورفيوس إلى عالم الظلام ويساعده على استعادة زوجته في إطار سوريالي. مميّزة هي الخضّة التي استعاد بها كوكتو الأسطورة، لكن لا شكّ في أنّ التصوير والتقنيات السينمائية جذبتنا وشدّتنا للتسمر أمامها وأضفت على الكابوس لمسةً فنيةً خالدةً. أورفيوس يتنقّل من العالم الحقيقي إلى العالم الموازي الذي يشبه الجحيم إلى حدٍّ ما، من خلال مرايا هي مستحيلات سحرية تضفي على الفيلم المذاق الشاعري.
الفيلم هو بدون أدنى شك أحد أكثر الأفلام تأثيراً في السينما الطليعية. يتحدى مواثيق أفلام هوليوود الكلاسيكية، ويعدّ تحفة تتجاوز الحدود التقليدية للسينما. هو رحلة داخل عقل كوكتو، عرضٌ لأفكاره الخاصة عن الحياة والموت، عن أهمية الفن وقوة الشعر، وعن الخيط الرفيع والعلاقة الحميمة التي تربط الأدب والسينما في أعماق أعماق كوكتو.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا