لم أتخاصم معهُ رغم أنني في بعض مقالاتي النقدية، في الثمانينات والتسعينات، كنت أرى أن برامجه الفنية (الألعاب وغيرها) أقلّ مستوى مما يستطيع فعلهُ. أنا الخارج من برنامج «استديو الفن 1974» ولهُ (أي لسيمون) فضلٌ في أنني نلت الميدالية الذهبية عن فئة الشعر الغنائي بعدما أفشى لي سراً أن في لجنة التحكِيم من يريد إبعادي «بدون منطق» كما قال يومها. وحين كنا نلتقي، كان أجمل سؤال يوجّهه إليّ: «هل كنت تظنّ يوماً، أنك ستكون الناقد الفني الأبرز في لبنان؟». أولاً لم يكن سيمون أسمر مخرجاً فحسب، بل خبيراً في الإخراج. ترى عينه ما لا تراه الكاميرا، أو أبعد بكثير مما تراه الكاميرا. كنا في أيام «استديو الفن 1974» ننظر إلى «شبوبياتنا» بالشكل الذي تعكسه كاميرا سيمون أسمر، لا كما نحن في الواقع. كنا «نطلع» أجمل وأظرف وأذكى مما نحن في الواقع، لأنه يرانا بعين الحريص على أن يكون برنامجه قِبلة الأنظار في لبنان، ومدرسةً للآخرين. ولأنه كان برنامجاً للهواة، كانت الموهبة عنده أولاً، و«الشكل» ثانياً. كان يتدخّل في شَعْرنا كيف نسّرحه، وفي ملابسنا كيف ننسّقها، وفي إطلالتنا التلفزيونية كيف ينبغي أن تكون. ولا أخفي سراً إذا قلت إنّ كثيراً من هواة الغناء كانوا يأتون للمشاركة في أداء أغان لهذه أو ذاك من المغنين والمغنيات الكبار يومها، فكان «يأمرهم» بالمحبة والإصرار أن يذهبوا ويحفظوا أغنيات أخرى لمغنين آخرين يسمّيهم لهم لأن ذلك «يليق لهم» أكثر، وبالفعل كان خياره ينجح.

كان سيمون أسمر عليماً بالذوق العام، وبما يحبّ اللبناني أن يرى في سهرته، قبل أن تبلغ شهرته العالم العربي. وحتى في ما كنت لا أميل إليه من برامجه للتسلية، كان فعلاً يقدّم التسلية الفنية الراقية. وكان على أبوابه يقف النجوم.. صفاً صفاً. النجوم الذين كانوا قد تخرجوا من برنامجه، ثم تكبّروا عليه في وقت من الأوقات (كعادة النجوم في إنكار صانعيهم) وهم كانوا المغنين والمغنيات الذين نعموا بالشهرة الكاسحة من خلال برامجه والذين إلى اليوم ما زال أغلبهم نجوماً.
كان ديكتاتوراً؟ نعم، كان حازماً؟ نعم، ولكنّه كان مثقفاً بالصورة أولاً، وبالغناء ثانياً، وبالرأي ثالثاً. ولأن البعض الكبير خذله منهم، وراح «يتدلل» عليه، عمد إلى رَبْط بعضهم بعقود وراح يقتطع لنفسه نسبةً من مداخليهم كإدارة أعمال... ومع ذلك عندما «ريّش» بعضهم، تخلّى عنه، ولا أذكر أنه فرض على أي منهم ما ينصّ عليه العقد من الجزاء.
كان كبيراً، ومحترماً، وسيّد نفسه، وكما صنع من تلفزيون لبنان في فترة «استديو الفن» شاشة محبوبة، أسهم جدياً في صناعة LBC شهرةً وإنتاجاً متميزاً.
مات سيمون أسمر حزيناً؟ طبعاً، سمعته قبل ثلاثة أشهر في مقابلة إذاعية وتمنيت لو لم أسمع. كان يصرخ من تحت الأنقاض معلناً رغبته بِبيْع منزله نظراً للمرض الذي أصابه والعلاج المطلوب، وللحاجة التي قضّت مضجع حياته بكاملها.
كل المخرجين الذين تعاقبوا على إخراج برامج تلفزيونية للهواة في لبنان والعالم العربي... كانوا مهجوسين بصناعة سيمون أسمر الإخراجية، وسيبقى كذلك أمداً طويلاً، لا أدري كيف ينبغي أن نقول لَه شكراً. سيأتي يوم.