عمان | يمكن وصف تاريخ العرب الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى زمننا الحالي بأكثر من طريقة وفق تطورات المراحل السياسية. لكن تبقى سمات التقلب والتحول دائمة الحضور وثابتة: الاضطرابات السياسية، والحدود قيد الرسم، والهويات دائمة التفكك والتشكل. من ناحية أخرى، يلقى استرجاع مصطلح «الحداثة» إما همّ التعريف والتحديد الزمني، أو غمّ الخيبة وإخفاقات مشاريع التطور والنهضة.


بطبيعة الحال، واكب الفن العربي محاولات النهضة وعكس صراعاتها وخيباتها، باعتبار الفن عملية تخليد للتحولات والتنبؤات. في عام 1994، كتب سعد الله ونوس (1941 ـ 1997) أحد آخر نصوصه «طقوس الإشارات والتحولات»، بعد معرفته بإصابته بالسرطان. من خلال استعادة حادثة وردت في مذكرات فخري البارودي «تضامن أهل دمشق»، حيث القبض على نقيب الأشراف وهو يستمتع مع مومس، يحكي المسرحي السوري الراحل أحد أسباب فشل المشروع الحداثي العربي باستغلال السلطة الحاكمة للخطاب والمؤسسة الدينيين.
من عنوان مسرحية ونوس، تستلهم «دارة الفنون» عنوان معرضها الجديد «طقوس الإشارات والتحولات» (1975-1995) الذي يفتتح الليلة. تعرض الدار هنا أعمالاً فنية من مجموعة خالد شومان الخاصة بالفن العربي المعاصر، تعنى «برصد التحولات الفنية والتاريخية في العالم العربي» كجزء أول يتبعه لاحقاً جزء ثان يتناول الفترة بين 1995 و2015.
29 فناناً عربياً ستعرض أعمالهم التي انتجت في الفترة المذكورة، بتنسيق يهدف إلى إيضاح علاقة هذه الأعمال بتاريخ المنطقة السياسي والثقافي ضمن الفترة التي شهدت التحولات السياسية في الربع الأخير من القرن العشرين، منذ الحرب الأهلية اللبنانية وما حوته من فظائع مروراً باتفاقيات السلام العربية والانتفاضة الفلسطينية الأولى وحرب الخليج الثانية. بهذا المعنى ، فالمعرض هو عرض للفن العربي وعلاقته بالحدث المفصلي، ليس فقط كمواكبة تعبيرية عكست رد فعل مباشراً، بل أيضاً عما يمكن استنطاقه من هذه الأعمال كشاهد تاريخي وتنبؤ مستقبل على زمن مليء بالتقلبات.


ربط سياق النتاجات الفنية بالتحولات التي شهدتها المنطقة



أسماء مهمة يقدمها المعرض لثيمته التي تعنى باشتغالات الحروب والهزائم والمنافي من خلال المدارس المختلفة لحركات الفن المعاصر العربية. يعرض للتونسي عبد الرزّاق السّاحلي «باكو» (سلسلة من 5 ـــ1989)، ولآدم حنين سلسلة «خزانات» (سلسلة من 4 ـــ 1987)، ولايتل عدنان «حرّودة» (1978). ويعرض للفنان الفلسطيني عزيز عمّورة «صبرا وشاتيلا» (3 من سلسلة من 6 ـــ 1984) وللعراقي ضياء العزّاوي «النشيد الجسّدي» (قصائد مرسومة لتل الزّعتر- 1979). كما نشاهد عملي فيديو للفلسطينية منى حاطوم هما «ما أريد كثيرا أن أقوله» (1983) و«قياس المسافات» (1988)، إلى جانب سلسلة «جدران غزّة» لليلى الشوا (1994). وهناك أيضاً أعمال لإسماعيل فتاح انجزت بين 1989 و1995، ولجنان العاني «بدون عنوان» (عمل من حرب الخليج- 1991) ولمروان قصاب باشي (بدون عنوان ـ وجه) وعملان للسوداني محمّد عمر خليل من مجموعة «البتراء» (1989-1990)، وتركيبان لفيرا تماري بعنوان «كهنة من البحر» (1994) و«حوار» (1995)، وأعمال ليوسف عبدلكي من بينها «أزهار سوداء» (1987)، و«أشخاص» (1992-1993).
تعرض الأعمال المختارة بجانب مجموعة كتب ومواد سمعية وبصرية. مثلاً في القاعة الرئيسية للبيت الأزرق، يتصدر عمل بدون عنوان لشاكر حسن آل سعيد قاعة العرض في المنتصف، مع مجموعة صور لعمان أنجزها اللبناني فؤاد الخوري، وتعرض أيضاً مجموعة من الكتب على الجدار منها: «طقوس الإشارات والتحوّلات» (1994) لونوس، و«الحريّة في الفن» و«حوار الفن التشكيلي» (1995) لشاكر حسن آل سعيد، و»مديح الظل العالي» لمحمود درويش (1982)، و«الخماسين» لغالب هلسا (1975)، و«سيرة مدينة: عمّان في الأربعينيّات» لعبد الرحمن منيف (1994). «طيور عمّان تحلّق منخفضة» إلياس فركوح (1981)، بالإضافة الى فيديو محاضرة «الفن المحيطي من منظور البعد الواحد» لشاكر حسن آل سعيد التي ألقاها في «دارة الفنون» (1995). في الغرفة الجانبية المجاورة، تعرض ثلاث لوحات لمنى السعودي بعنوان «تحيّة إلى محمود درويش» (1979، «قصيدة الأرض»، «قصيدة الرمل»، «نشيد الى الأخضر»)، بالإضافة الى فيديو لدرويش وهو يلقي قصيدة «مديح الظل العالي» من تونس بعد مغادرة بيروت عام 1982.
يقترح أسلوب العرض للزائر طريقة أخرى للنظر إلى العمل الفني بربطه بكتاب أدبي أو عمل موسيقي أنتج في الفترة نفسها. النظرة هنا شاملة للحقبة المعنية تربط سياق النتاجات الفنية المختلفة بالتحولات التي شهدتها المنطقة. قد يكون من المحزن التفكير في أن النظر إلى الأعمال الفنية المعروضة بوصفها شواهد باقية للحداثة ومحاولاتها، ونحن نعيش في ظل فقدان مشروعها بعد عقود من الفشل السياسي والديني. بربطه للسياقات، يقترح المعرض أنّ «الحداثة العربية ولدت، ولا زالت، مشروعاً معوّقاً» بحسب تعبير فيصل دراج، وربما الآن، حداثة معلقة على شفير الانهيار.

* «طقوس الإشارات والتحولات: 1975 ــ 1995» ـــ حتى 1/1/2016ــ «دارة الفنون» (عمان) ــ للاستعلام: 96264643251