تونس | مثّل تولّي المسرحي الفاضل الجعايبي (1945) إدارة «المسرح الوطني» الحدث الأبرز في تونس العام الماضي. منذ توليه إدارة المؤسسة، لازم الجعايبي الصمت، محوّلاً المسرح الوطني في مقره المركزي في مدينة تونس العتيقة وتحديداً في الحي الشعبي الشهير «الحلفاوين»، إلى ورشة عمل لا تتوقف، وكذلك في مقره الفرعي «الفن الرابع» في شارع باريس في قلب المدينة الحديثة.


لم يكن أحد يتصور أنّ الجعايبي المعروف منذ شبابه أواخر الستينيات بالتمرد على السلطة وتفكيك خطابها وبناء تجربة مسرحية شعارها «الآن وهنا»، سيقبل بإدارة مؤسسة رسمية. هو الذي اختار مع رفاق دربه الفاضل الجزيري، ومحمد ادريس، والحبيب المسروقي، وجليلة بكار مقاطعة المؤسسة الرسمية وتأسيس أول فرقة مسرحية خاصة تحت اسم «المسرح الجديد» (١٩٧٥-١٩٨٩). في إطارها، قدّم أجمل أعماله كـ «العرس»، و»غسالة النوادر»، و»لام»، و»عرب»، و»العوادة» قبل أن يفترق مع رفيق دربه الفاضل الجزيري ويؤسس مطلع التسعينيات «فاميليا» مع جليلة بكار والحبيب بلهادي. ضمن «فاميليا»، قدم «سهرة خاصة»، و«عشاق المقهى المهجور»، و«فاميليا»، و«جنون»، و«خمسون»، و«يحيى يعيش»، و«البحث عن عائدة»، و«تسونامي».
اختار الجعايبي إيقاف تجربة «فاميليا» والالتحاق بمؤسسة رسمية. هذا الاختيار يصفه بأنّه لم يكن سهلاً في حديث لـ «الأخبار»، خصوصاً أنّه أمضى وقتاً طويلاً في مناقشة العرض الذي قدمه له وزير الثقافة السابق مراد الصكلي. يقول: «ناقشت الموضوع من مختلف زواياه مع رفيقة دربي جليلة بكار. ماذا ستربح تونس من هذا التعيين؟ وماذا ستخسر «فاميليا» شركتي الخاصة؟ وصلنا إلى قناعة مفادها أنّ البلاد الآن تحتاجني في المسرح الوطني. وإذا تعلق الأمر ببلادي، فإنّ «فاميليا» لا تعني شيئاً. اقتنعت بأن علي إعادة بعض الدين لبلادي والمسرح الذي منحني أكثر مما منحته.


نحن تنبأنا بالحالة «الداعشية» في أعمالنا المسرحية (ف. ج)


وإذا كنا في السبعينيات تمردنا شباباً على المؤسسة الرسمية التابعة لوزارة الثقافة وأسسنا أول فرقة خاصة وغامرنا في هذه التجربة ونجحنا، فإننا اليوم مدعوون الى إعادة الاعتبار والروح لمسرح القطاع العام عبر مؤسسة المسرح الوطني الذي تراجع إشعاعه قبل الثورة وبعدها. لا بد من أن يكون هذا المسرح في مستوى المؤسسات المسرحية العالمية، وهذا لن يتحقق في غياب برنامج متكامل أعمل على إنجازه منذ الصيف الماضي. كانت البداية بالإصلاح الهيكلي (الإداري والمالي) والبحث عن موارد مالية جديدة لأنّ ٨٠ في المئة من الميزانية السابقة مخصصة لأجور الموظفين، ولم تكن هناك ميزانية للإنتاج. نجحنا في رفع ميزانية المسرح الوطني بما سيمكننا من إنتاج سبعة أعمال مسرحية خلال العام الحالي. حتى الآن، انتهينا من عملين والبقية في الطريق».
بقدر حرص المخرج الأشهر في تونس على حضور المسرح الوطني في داخل البلد، إلا أنّه لم ينس الحضور العالمي. في هذا السياق، يقول: «سنعرض أعمال المسرح الوطني في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا في الخريف المقبل. وسنستقبل القائمين على المركز الوطني للفنون الدرامية في ليون الذي يعدّ من أشهر مراكز التكوين في أوروبا. سنرسل شباناً تونسيين الى هذا المركز لتلقي التكوين اللازم في 12 اختصاصاً مسرحياً. وقعنا عقداً مع المركز للتعاون مع مدرسة الممثل في المسرح الوطني. سنعرض أعمال المركز في المسرح الوطني، كما سنعرض أعمالنا في ليون لأنني أؤمن أنّ لا مستقبل للمسرح من دون اهتمام بالتكوين. لذلك أسست «مدرسة الممثل» في المسرح الوطني التي ضمت في دورتها الأولى 16 ممثلاً شاباً».
ويضيف الجعايبي متحدثاً عن المستقبل: «كل هذا تأسيس لعام 2016 وهو الرهان الأكبر لأنّ العام الحالي نعتبره تمهيداً لمشروعنا الكبير. لكن البداية الفعلية ستكون العام المقبل. نريد أن نحافظ على مستوى راق للأعمال التي نعرضها وننتجها. يجب أن يصبح لدينا تقليد الإعداد المبكر لبرامجنا مثل كل المؤسسات المسرحية في العالم. مثلاً، رجاء بن عمار ستقدم في المسرح الوطني «دون كيشوت» العام المقبل، ولدينا اتفاقات أولية مع مخرجين تونسيين وأجانب لتقديم أعمالهم، وأتشّرف بالعمل مع إيمان السماوي وغازي الزغباني، والشاذلي العرفاوي، ونعمان حمدة».
يعتبر الجعايبي أنّ ما يقوم به في المسرح الوطني يتجاوز شخصه: «أشعر الآن أني في صدد تحقيق كل أحلام جيلي في أن يكون لنا مسرح وطني تونسي يرتقي بالذائقة المسرحية في كل مكان في البلاد».
الحديث مع الجعايبي في مكتبه في المدينة العتيقة في قصر المصلح الكبير خير الدين التونسي صاحب «أقوم المسالك في معرفة الممالك» الذي شُيِّد في أواخر القرن التاسع عشر، لا يمكن أن لا يتطرق إلى الحالة «الداعشية» التي يعيشها الوطن العربي. يعلّق الجعايبي: «الشعراء والفنانون كادوا أن يكونوا أنبياء حين تنبأنا بوقائع في «خمسون»، و«يحيى يعيش» و«تسونامي» حدثت لاحقاً، وتنبأنا أيضاً بـ «داعش» قبل عامين من ظهورها. حدث ما توقعناه، لا أعرف من أين يأتي هذا. من قوة التحليل؟ ربما، الشاعر والفنان شاهد على عصره ولا يمكن أن نتقدم الا بإنقاذ ما هو موجود وبمواجهة القمع والرقابة والرقابة الذاتية، وكل من يريد أن يفرض على الناس ما لا يرتضونه. هذا هو قدر الفنان والشاعر».
ولأنّ استقلاليته السياسية والفكرية هي التي ميّزت مسيرته، يعتبر الجعايبي أنّه لن يتنازل عن استقلاليته رغم أنّه التحق بمؤسسة رسمية. يقول: «أدافع اليوم عن الاستقلالية في المسرح الوطني، وهي رأس مالي وكذلك استقلالية جليلة بكار التي تقف معي. لا أحد يمكن أن يشكّك في نضالنا ولا في الحرية المكتسبة التي يتبجح بها الجميع. نحن ناضلنا من أجلها ضد سلطة القمع والديكتاتورية في عهدي بورقيبة وبن علي والترويكا. وعندما يريد وزير أو وزيرة فرض أي اختيار عليّ، سأنسحب لأَنِّي مستقل وأعرف ماذا يجب أن أفعل أو لا أفعل».