لم تكن هذه المرة شائعة. ولن يتمكن من طاولته المزحة السمجة أن يخرج لينفيها عبر وسائل الإعلام. حتى أصدقاؤه ليس بوسعهم أن يفعلوا شيئاً لأنهم يستعدون للجنازة وفق قاعدة «إكرام الميت». مات عمر حجو (1931-2015) أمس، وأسدل ستار الحداد على «مسرح الشوك» إلى الأبد. رحل صاحب الوجه الأكثر تعبيراً عن الألم في الدراما السورية، وترك الآهات ترسم تجاعيد سوريا التي تشيخ بسرعة نيزك يعبر حضن السماء، بينما بحة الطرب الحلبي ولازماته تتحول نحيباً على تراث وتاريخ عريق يحترق.

غادر ركن جديد من ذاكرة الفن السوري مكانه من دون أن يكتب له رؤية جدران «قلعة حلب» وإلقاء نظرة وداع على مكانه المفضل وحاراته القديمة قبل السفرة الأخيرة.


ظلّ «مسرح الشوك»
أهم تظاهرة فنية مهدت الطريق أمام فن الكوميديا الناقد والراقي
ربما كان الرجل أكثر من تعرض للظلم والإجحاف في حياته إذا ما قورن ببقية الأسماء التي صنعت مجد الفن السوري بامتياز، ومن هؤلاء شركاء غادروا كنهاد قلعي ومحمد الماغوط، ومنهم ما زال بطاقته وعطائه كدريد لحام. شاء القدر أن يعيش النجم المخضرم قاعدة تقليدية تقول «يولد الإبداع من رحم المعاناة»، فسنوات الطفولة الأولى التي عاشها في «عاصمة الشمال» السوري كانت مسكونة بهاجس الترحال بقصد البحث عن رزق. هكذا، لم تعرف عائلته الحلبية الفقيرة طعم الاستقرار. في مطلع مُحرّم ـــــ الشهر الأول من كل سنة هجرية ـــــ كانت تبدأ رحلة عائلته عن موطئ قدم آخر. قال لـ «الأخبار» عن هذه الحالة ذات يوم: «كان هناك اعتقاد لدى فقراء المدينة بأنه إذا غيّر أحدهم بيته في شهر محرم، قد تكون رزقته أفضل في المكان الجديد. تلك كانت فرصتي للتعرّف إلى نماذج مختلفة من الناس، ومعايشة طبقة القاع التي تشبهني» (الأخبار 28/7/2010). وإذا كان الوطن الأول لأي شخص هو المنزل، فقد كان وطن عمر حجو هو وعائلته، عبارة عن عقد إيجار موقت لأربعة جدران في أحد الشوارع الفقيرة، ولا ضير لو تقاسموا مع مجموعة عائلات أخرى بؤس منزل آيل إلى السقوط في أي لحظة. أرادت له والدته الأمية أن يحقق حلمها ويعوضها عما فقدته، وأن يحصّل شهادات عليا، فمنع سوء الحال المادي أحلام الأم من أن تتحول واقعاً. توقف تعليمه عند المرحلة الإعدادية وعلّق لاحقاً شهادته الابتدائية على حائط بيته ساخراً من الظروف التي منعته من إكمال التعليم. لاحقاً، أدى الغليان السياسي ومرحلة التقلبات الحرجة التي عاشتها سوريا والمنطقة العربية دوراً كبيراً في صقل شخصيته، وتكوين وعيه وفكره على نحو عميق. بدأ العمل المسرحي بفرقة هواة أسسها بنفسه، لكن صداها تجاوز الحدود عندما قدمت بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر (1956)، مسرحيات مثل «استعمار في العصفورية» و«مبدأ ايزنهاور». الأخيرة عرضها في دمشق، فاحتجت السفارة الأميركية ومعها الرقابة التي أرعبتها جرأة الأفكار المطروحة، فقرر التحايل عليها من خلال فنّ الإيماء أو «البانتوميم». بعد ذلك، أسهم في تأسيس «المسرح الجوال» و«المسرح القومي»، وكان عضواً مؤسساً في «نقابة الفنانين»، لكنّ «مسرح الشوك» ظلّ يعدّ أهم تظاهرة فنية مهدت الطريق أمام فن الكوميديا الناقد والراقي الذي أطلق على يديه مطلع الستينيات من القرن الماضي. وربما كان هذا أثرى منجز له. وبالفعل، حقق حضوراً جماهيرياً وترك أصداء عربية مدوية ونال قبول الصحافة والإعلام، ما منح فرصة للشعور بديمقراطية الحياة الفنية في دمشق. طبعاً، العمل طوّره لاحقاً ابنه المخرج الليث حجو وقدمه على شكل تلفزيوني في مسلسل «بقعة ضوء» (نتيجة فكرة واقتراح ومساهمة كل من أيمن رضا وباسم ياخور) الذي ما زال مستمراً حتى الآن. أدى الراحل أدوار بطولة في بعض أجزائه، وتعاون مع نجومه في تطويره. بعد تأسيس «مسرح الشوك» والصراع المرير مع الرقابة، أسهمت النكسة في رفع سقف الجرأة لدى صناع الفن، وساعد تعاون دريد لحام مع حجو على تقديم أعمال مهمة. هكذا، شاهدنا حجو في الثلاثية الشهيرة «ضيعة تشرين»، و«غربة»، و«كاسك يا وطن» في مسرح الساعة العاشرة أو «الكباريه السياسي». وبعد اعتزال «غوار» المسرح إثر فشل «صانع المطر»، انكفأ حجو نحو التلفزيون، الذي قدم فيه عشرات الأدوار المهمة مثل « خان الحرير»، و«الثريا»، و«سيرة آل الجلالي» لهيثم حقي، و«مبروك» لهشام شربتجي، و«أحقاد خفية» لمروان بركات، و«قلبي معكم» لسامر البرقاوي، و«بقعة ضوء» و«أهل الغرام» و«الانتظار» و«أرواح عارية» و «سنعود بعد قليل» لابنه الليث حجو. لاحقته شائعات الموت أكثر من مرة نتيجة تدهور وضعه الصحي، لكنها كانت تخيب إلى أن صدقت أمس. انسحب حجو قبل أن يقدّر له تحقيق حلمه الكبير بتأسيس مهرجان مسرحي للشباب في مدينة حلب، على أن يتولى الإشراف عليه بنفسه. كان يأمل أن يعيد الشباب تقديم مسرحيات مثل «غربة» و«المهرج»، وتوجيه تحية إلى الراحل محمد الماغوط، وضخّ دماء فنية في حلب بمواجهة الدمار، والحرب التي تنهش خاصرتها. حتى اللحظة الأخيرة، كان قلب عمر حجو ينبض بالأحلام وعقله يطمح إلى مشاريع جديدة. 84 عاماً حيرت النقاد وأبناء جيله، في تصنيف موهبته، التي كانت هواية بسبب شغفها الذي لا ينضب أم محترفة للحد الأقصى بذريعة الاتقان والتميز.




علّمنا أن الفنان شخص يحبّ الآخرين

«انطفأت شمعة جديدة من شموع سوريا الهائمة في وسط العاصفة» يقول لنا النجم قصي خولي عند سؤاله عن رحيل عمر حجو قبل أن يطلب أن نكتفي بجملته هذه. أما زميله الكوميديان أيمن رضا، فيقول: «مثل نهاد قلعي، بقي في الظل برغم أنه كان منتجاً ونشيطاً ومبدعاً. لم يأخذ حقه برغم أنه كان من الصنّاع الحقيقيين، لكن عتمة الكواليس والصفوف الخلفية أسرته بينما كان غيره يقطف ثمار الشهرة والنجاح». وعن تجربته العملية معه، يقول «عندما اشتغل معنا في «بقعة ضوء»، كان متحمساً للمشروع، وهذا دليل على إيمانه بالعمل الجماعي، وعزوفه المطلق عن الأنانية، وهو سر نجاحه». ويضيف: «عاش زمن غياب عيون المخرجين التي يمكن أن تكتشف أشياء جديدة فيه، لأنّه كان سابقا لعصره بالأفكار. ولو هيئ له الدعم الكافي، لكان ماغوطاً آخر في شمال سوريا». المخرج سيف الدين السبيعي يقول «غاب أحد أهم من صنع الفرح والبهجة في حياتنا. طيب القلب، ستبقى ذكراه مؤبدة حتى لو رحل». أما السيناريست نجيب نصير، فيعلّق: «يغادرنا الكبار كباراً، يعبرون إلى مثواهم خفيفي الأحمال وبكامل حيويتهم، فالأحمال شأن الحياة، وليست شأن العيش والموت، كما أنها ليست شأن الشهرة والنجومية. كانت حياته حيوية نشيطة ومتحررة من أوهام الأستذة وقيود النجومية. عقل مهووس بالتأسيس والمشاريع والتجارب، موهبة مفعمة بالحركة والعمل والحلم، روح رحبة أليفة مضيافة. ترى الدنيا بمنظار فريد ساخر بمحبة. عمر حجو من أساتذتنا الكبار الذين تعلمنا على أيديهم كيف نشارك في صنع الفن، أن نكون مجرد شغيلة في ورشه بلا انتظار مكافأة. علّمنا أن الفنان هو شخص يحب الآخرين ....كل الآخرين». أما الكاتب عدنان العودة، فيحكي لنا كيف تعرّف إلى حلب على دفعات من مرضى الفرات، الذين يقصدونها ليتعالجوا على يد أطبائها، ومن جمال قدودها، ومن عمر حجو. ويضيف: «زرته في سنة 2010 أثناء إعدادي بحثا عن تاريخ المدينة لكتابة مسلسل. أتذكر فرحه كطفل صغير، وهو يقودني في حواري مدينته، ودموع عينيه تنفر حين يحكي عن ذاكرة سطوح بيوت حلب وملاءاتها وصوت ناي حزين يأتي من بعيد، ليوقظ ليلها، ويغني فقراؤها ككورس واحد «هالأسمر اللون». أتذكّر تعريفه لي على جميل ولاية، وحلب بيت النغم، وخير الدين الأسدي، وأين يكون بيت المتنبي، وجمعية العاديات. أتذكر السهرة معه، والنوم في بيته الدافئ بضيافة زوجته. إنّه رجل بقامة حلب، بروعتها، بطربها، بمحنتها التي تعيش ونعيش اليوم في غيابه».
وسام...