أحميدة عياشي

تشير الآن الساعة إلى منتصف الليل. أقف أمام «مسرح سيدي بلعباس». ها هو أمامي شبح كاتب ياسين، يقف في «ساحة كارنو». أضع سيجارة الـ«مالبورو لايت» بين شفتي. أنتظر حسان ليأخذني إلى منزلنا في فومبيطا. أنا هنا في هذه اللحظة ضحية هذا الشبح الجميل الذي ينتظر مني أن أحكي الحكاية. لكن كيف لي أن أحكي وأنا محاصر بكل هذا الصمت وهذه البنايات الشاحبة الحزينة التي تخفي من وراء سكونها كل تلك اللحظات المملوءة بالزمن الذي مضى؟!
كنت في «بار البولميش» عندما أخبرنا أحد الأصدقاء أنّ كاتب مات. لم أفاجأ، فلقد رأيته منذ شهر. كان حزيناً، صامتاً وكئيباً. علمت أنه مريض بالسرطان. سألني إن كنتُ قد تقدمت في ترجمة نصوصه الأخيرة المسرحية المتعلقة بمانديلا والثورة الفرنسية. قرأت له الترجمة. وجدها جيدة. لكنه قال لي، إنّ نصّه حول مانديلا غير مكتمل ووعدني بأن يعطيني الباقي. ثم قال لي، إنه سيذهب ليتسلّم الجائزة الأدبية في فرنسا، لنلتقي بعد ذلك. ثم حدثني في تلك الأيام عن رغبته في العودة إلى الكتابة الأدبية، وكتابة سيرته الذاتية.
ذهب إلى فرنسا. تحدثنا مرة على التلفون عندما اتصل بي من غرونوبل في بن عكنون، في بيته حيث كنت أقيم. كانت المكالمة، الاتصال الأخير. ويوم عاد إلى ابن عكنون، كان في تابوت. مات كاتب، من يصدق؟!
في المطار وضعوا له tapis rouge. اعترفت به الجزائر الرسمية بعد موته، لكن خارج المطار، كلهم كانوا مختفين. كنّا نحن أبناءه الصعاليك. نحن الأيتام في انتظاره. نحن الأيتام الذين جلسنا إلى جانب التابوت العاري. نحن الأيتام وكنّا في ذلك الوقت مجرد نكرة. كنا مجرد فنانين، ومتمردين وحالمين بالثورة. حملناه على أكتافنا يوم الجنازة. وضعنا التابوت في 404 باشي. غنينا «باب الواد الشهدا». غنينا «لانتار ناسيونا» في المقبرة. كنا كالمجانين ونحن نرفع التابوت على أكتافنا في مقبرة «العالية». هل كان كل ذلك الزمن، هو زمن جنون؟!!
ربما. على أيّ حال، كان اليوم الأخير من زمن اسمه زمن كاتب ياسين.