تعود هيكلية وزارة التربية إلى عام 1959، وبالتالي ليس فيها وحدة «معلوماتية». هذه المهمة أوكلت لاحقاً، عندما أصبحت حاجة منذ نحو 25 سنة، إلى المركز التربوي للبحوث والإنماء، عبر وحدة المعلوماتية التربوية فيه، التي تتولى كل أعمال البرمجة اللازمة، ولا سيما في مجالين أساسيين: الامتحانات الرسمية والإحصاء التربوي الشامل.


بقي الأمر على هذه الحال إلى أن استُحدثت «وحدة إدارة المعلوماتية» التابعة لوزارة التربية، ونُفِّذ هذا المشروع في عام 2007، بدعم من البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، في عهد وزير التربية والتعليم العالي (آنذاك) خالد قباني. يومها، كانت كلفة إنشاء هذه الوحدة كبيرة، واستُخدمت كإدارة رديفة خارج نطاق النظام العام، وهو ما حصل في العديد من الوزارات والمؤسسات العامّة في سياق عمل ممنهج للسيطرة على الإدارة والتحكم بها بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة بذريعة تجاوز الروتين الإداري ومد الكادر بخدمات مساعدة من كوادر لا تتوافر فيه. باتت الوحدة تضم اليوم نحو تسعة أشخاص، يتمتعون بامتيازات وصلاحيات غير قانونية، ويتقاضون رواتب شهرية تفوق بكثير تلك التي يتقاضاها الموظفون في الملاك ممن أمضوا 20 سنة في الخدمة.
تطرح الوحدة نفسها على أنها إطار يسيّر أمور الوزارة ويدعمها فنياً من دون أن تكون لديه سلطة القرار: «ننفذ خطط الوزارة ونسلّمها المشاريع ليس إلّا». لكن أهل الوزارة يروون شيئاً آخر، وهم قلقون من النتائج في ضوء ما كان يجري في وزارات عدّة، أبرزها وزارة المال حيث جرى التحكم بإدارة المال العام من قبل إدارتين موازيتين للإدارة العامة، هما وحدة الـUNDP المشرفة على إصدار سندات اليوروبوند والمركز الإلكتروني المتحكم بكل حسابات الدولة المالية. يقولون في وزارة التربية إن الوحدة المستحدثة تمسك بكل المفاصل الأساسية في المعلوماتية، وأخطرها ملف الامتحانات الرسمية.


حصلت الوحدة من
دائرة الامتحانات الرسمية على معلومات عن
15 سنة ماضية

فقد حصلت الوحدة، أخيراً، بطلب غير رسمي من دائرة الامتحانات، على معلومات حساسة تغطي فترة الـ 15 سنة الماضية، ما عزز خشية موظفي الوزارة من أن يكون الهدف الفعلي هو خلق إمكانية التعامل مع الامتحانات الرسمية من خارج ملاك الإدارة العامّة في وزارة التربية، بما في ذلك امتلاك القدرة على طبع بطاقات الترشيح والشهادات الرسمية، بكل ما يعني ذلك من إطباق على النتائج الرسمية والتلاعب بعلامات الطلاب. يسأل الموظفون: «من هو ضابط الإيقاع هنا بغياب الحسيب والرقيب من المسؤولين في وزارة التربية والمركز التربوي والهيئات الرقابية؟». يعلّقون: «إنها وجه من أوجه الخصخصة الجارية كأمر واقع خارج القانون».
يذكّر الموظفون كيف أهدرت أموال وزارة التربية من خلال تمويل البنك الدولي والـ UNDP بنحو 800 ألف دولار أميركي لبرنامج يختص بالامتحانات الرسمية بهدف تحسينها وإحداث نقلة نوعية في الملف التربوي الحيوي، إلا أن النتيجة أتت سلبية، فبعدما أجريت التجربة عليه، تبين أنه يتضمن عشرات الثغر مما لا يسمح العمل به، إضافة إلى تكلفته اللوجستية السنوية الباهظة مقارنة مع البرنامج المستعمل. حالياً، رغم صدور القرار بعدم جواز استعماله، اشترى القيّمون على الوحدة المستحدثة مستلزمات عدة مثل الحبر والبطاقات البلاستيكية بنحو 100 ألف دولار أميركي، وقد وضعت في المخازن لتصبح غير صالحة للاستعمال بعد حين بسبب عوامل الرطوبة.
يتابع الموظفون أن المباني التي تستخدمها لجان الامتحانات الرسمية لإصدار النتائج جُهزت بشبكة Network تحت ستار تسهيل سير العمل، وقد كلفت هذه الإمدادات نحو 40 ألف دولار أميركي، إضافة إلى اعتماد خادم «Server» متصل من خلال هذه الشبكة بكل اللجان، حيث يتحكم المسؤول عنه بأدق التفاصيل المتعلقة بعلامات الطلاب. هكذا تصبح معلومات وعلامات ونتائج طلاب لبنان بيد أشخاص غير تابعين لوزارة التربية. ومن المحتمل أن تنتهي صلاحية عقودهم يوماً ما لتصبح الوزارة من دون ركنها الأساسي، أي من دون وحدة معلوماتية، فيما ستكون معلوماتها في مكانها غير المناسب. ويستغرب الموظفون إقدام الوحدة في الدورة الثانية من العام الماضي على تغيير طريقة إصدار النتائج، إذ استغنت عن سجل يدوي كان يستخدم لتدوين العلامات واكتفت بحفظها على جهازي كومبيوتر. سأل الموظفون: لمصلحة من إلغاء هذا السجل؟ الحجة التي سيقت في ذلك الوقت «توفير الكتابة»، وهي «حجة ما بتقلي عجة»، بحسب الموظفين. اللافت ما يقوله الموظفون لجهة التعويضات التي يتقاضاها فريق الوحدة من موازنة الامتحانات الرسمية، وهي إضافة إلى رواتبهم التي يتقاضونها من تمويل يديره البنك الدولي، وقد تصل هذه التعويضات إلى 25 مليون ليرة لبنانية لأحد الأشخاص لقاء دورتي الامتحانات.
على خط آخر، فوجئ مديرو المدارس الخاصة أن تطلب وحدة إدارة المعلوماتية منهم أقراصاً مدمجة يضمنونها معلومات عن المدرسة والتلامذة تختلف عن المعلومات التي تطلبها المنطقة التربوية التي تقع فيها المدرسة. ومن المعلومات إحداثيات المدرسة ورقم هوية التلميذ ومحل ورقم القيد ومكان السكن واسم الأم وشهرتها ورقم الهاتف. المديرون سألوا عن الجهة التي ستذهب إليها هذه المعلومات المهمة؟
ليس هذا فحسب، فالوحدة المستحدثة تهيمن، بحسب الموظفين، على كل ما يتعلق بالمعلوماتية في نطاق الوزارة إن كان على صعيد إمدادات الهاتف والإنترنت والصيانة إلى كل مستلزمات المعلوماتية، بل تتعدى صلاحياتها لتمثيل الوزارة في كل المشاريع التي تتعاون فيها مع منظمات عالمية وتربوية، ويسافر أعضاء الفريق باسم وزارة التربية. كذلك استطاعت الوحدة الحصول على كتاب رسمي من المرجع المختص لإنشاء صفحة إلكترونية (Web Page) على العنوان الإلكتروني الرسمي للوزارة (website) لإدخال كل المعلومات المتعلقة بالتلامذة والأساتذة والمدارس الخاصة في لبنان، لذا جرت التجربة الأولى ولم تكن ناجحة، فتبعتها تجربة ثانية خففت من الأخطاء ولم تستطع إزالتها. وهنا يرى الموظفون أنّه كان من الأجدى تكليف أحد المبرمجين تجربة البرنامج قبل نشره على موقع الوزارة وتجنب كل ما حصل بعد ذلك للنيل من سمعة الوزارة لدى إدارات المدارس.
ومع أنّ كل المعلومات المتعلقة بالتعليم الخاص والرسمي من أساتذة ومدارس وتلامذة تستحدثها وحدة المعلوماتية التربوية في المركز التربوي سنوياً ومنذ أكثر من 25 عاماً، فقد لُزِّمت شركة خاصة لإعداد برنامج الإدخال هذا وتفاصيل أخرى، ضمن مشروع الـ SIMS.
ويجري حالياً الإعداد لوصل وزارة التربية والمركز التربوي ودار المعلمين في جونية بخادم رئيسي Server كلّف الكثير، بحسب الموظفين، فكم تبلغ هذه التكاليف؟ ومن المسؤول عن هذا الإجراء؟ وكذلك استحدث Server آخر لوصل المناطق التربوية في لبنان بالوزارة، يستطيع من خلاله أي من فريق الوحدة الدخول إلى معلومات أساتذة كل لبنان في القطاعين الرسمي والخاص من دون العودة إلى المرجع الأساسي، أي وزارة التربية.
هل هناك نية لإلغاء المعلوماتية في المركز التربوي وخلق نظام مواز وبديل خارج المساءلة؟ السؤال برسم وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب، بعدما فشلت كل محاولات «الأخبار» في الحصول على تعليقات من المدير العام للتربية فادي يرق ومدير وحدة إدارة المعلوماتية توفيق كرم، ودامت فترة الانتظار أسبوعين كاملين وتضمنت تقديم طلب خطي للحصول على تصريحات حول بعض مصادر الشك المذكورة.