هل ستؤدّي جائحة «كورونا» إلى ولادة «الإمبريالية الصحية» (healthimperialism)؟ وهل سيؤول صراع قوة العمل ورأس المال إلى ولادة «الرأسمالية الاجتماعية»، وما المقصود بهذه الأخيرة؟ في مقالة مكثّفة له، نشرها بعنوان «الرأسمالية المركزية: من الصراع الطبقي إلى التحوّل الاجتماعي ـــ رؤية استشرافية لما بعد كورونا»، يجيب الباحث الاقتصادي العراقي مظهر محمد صالح، على هذه الأسئلة بالإيجاب بكثير من الثقة. هنا، محاولة لمقاربة هذه الفكرة نقدياً وتفسيرياً: إن وجهة نظر الباحث تقارب نظرياً، وبقلم متخصّص وعارف بعموميات وجزئيات وميكانيزمات الاقتصاد العالمي المعاصر تداعيات أزمة جائحة «كورونا»، ولكنّها تبقى من الناحية السياسية الطبقية والتاريخية محافظة، تستلهم استشرافاتها لما بعد الأزمة الوبائية العالمية الحالية من الذخيرة الليبرالية في طورها التقليدي واليميني، ضمن اجتهادات الاشتراكيات الديموقراطية في عصر أفولها.

يرى صالح أنّ الصراع الراهن في معسكر رأس المال المركزي ينحو «نحو انتزاع الأرباح وتدويرها بمعدّلات تراكم عالية صوب تعاظم رأس المال الصحّي الاحتكاري، وتوجهاته الحالية، بالاستحواذ على فرص الربح أو الفائض، ذلك بالسعي الحثيث لتكوين بيئة عمل واستهلاك ومعيشة مستقبلية لتحويل الفائض الرأسمالي في القطاعات المنتجة الأخرى». ويعتبر هذه السيرورة بمثابة «قمع لفرص التراكم المادي في تلك القطاعات وتقييد فرص الربح فيها وامتصاصه كقوى تراكم تحويلية باستمرار كي لا يصبّ في مصلحة القطاعات غير الصحية المحتكرة». واضحٌ أنّ هذا الاستشراف مبكر جداً، وينطوي على الكثير من الجدّة المشوبة بالعجالة، فما زال العالم، ومؤسّساته الصحية الصناعية والعلاجية، يعيش حالة الاضطراب والصدمة، ولم تبزغ بعد إشارات ولادة صناعات طبية وعلاجية استحواذية واسعة النطاق. وعليه، يمكن اعتبار هذا الكلام سابقاً لأوانه بكثير، رغم أنه جدير بالتفحّص والتأمّل.
يشخّص صالح صراعين رئيسيين في المشهد الطبقي العالمي في مجالين صراعيين، هما قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وهما يمثلان أساس ما يسمّيه «البنية التحتية للمادية التاريخية (historical materialism) لمرحلة ما بعد الأزمة الصحية كورونا»، وهما كما يكتب «صراع قوة العمل مع المرض من أجل البقاء، وحقوقه في تعظيم الأجر التعويضي عن خسارة ساعات العمل وارتفاع تكاليف العيش ضد الوباء، وصراع آخر هو أشد خطورة داخل معسكر رأس المال نفسه، يتمثل بالصراع من أجل البقاء على تقاسم الفوائض التي تتراكم في مرحلة الحرب ضد كورونا». ويمضي الباحث قدماً في تحليل مستوى الصراع داخل معسكر رأس المال المركزي، ويجعله في مرحلتين محتملتين: المرحلة الأولى للصراع/ نشوء النظام الإمبريالي الصحّي، ويعرّفها بالآتي «هي مرحلة مبكرة ابتدأت فيها قطاعات رأسمالية جديدة تتمحور حول ملاذات شديدة الكثافة الربحية والعائد على رأس المال، لإنتاج الفائض الرأسمالي السريع على حساب خسارة وركود قطاعات أمست ضحية لمرض كورونا وتعطّل النشاط الإنتاجي فيها وتولّدت لديها محدّدات وقيود تنظيمية وعمالية وأجرية جديدة لمصلحة استرخاء وبزوغ رأسمالية محتكرة رابحة جديدة يمكن تسميتها بالإمبريالية الصحية (health imperialimsm)... لتصبح تلك الإمبريالية نمط إنتاج رأسمالي مختلف لعالم جديد متفوّق في إنتاج سلاسل دوائية لا تنتهي، وأنماط تغذية تتسع مع تراكم فوائض وأرباح الإمبريالية الصحية نفسها». وهنا، يهدر الباحث الواقع الدقيق للاقتصاد العالمي الدولاري، وحين نقول الدولاري فنحن نُحيل إلى هيمنة الاقتصاد الأميركي وزعامته الهشة لاقتصادات العالم المعاصر كله، وبالضرورة والمآل فالباحث يهمل واقع سيطرة الرأسمالية المالية لا الرأسمالية الصناعية وغيرها، ولا يهتم بضعف الاقتصاد الحقيقي أو الفعلي في الولايات المتحدة، بل ينظر إلى هذا الواقع بعيداً عن واقعه الحقيقي المثقل بالديون الهائلة بعد انتهاء مغامرة «برايتن وودز 1944»، وتحوّل الدولارات التي تصدرها منظومة الاحتياط الفيدرالي الأميركي إلى أوراق لا قيمة فعلية لها، أو هي بتعبير فالنتين كاتاسونوف «فقاعات اقتصادية هائلة شديدة الخطورة جعلت الاقتصاد الأميركي أشبه بعملاق يقف على قواعد من طين».
وبالعودة إلى تحليل الباحث، نجده يشرح المرحلة الثانية من ذلك الصراع، مستشرفاً أنها ستنتهي إلى «نشوء الرأسمالية الاجتماعية»، معلّلاً ذلك كالآتي: فحيث أن «رأس المال المركزي، سينتقل ويتوزع مباشرة بين سياسات الحكومة والقوى العاملة العاطلة والرأسمالية الخاسرة من جهة، وتحوله إلى صراع داخلي مع الرأسمالية الصحية الاحتكارية والقطاعات الواسعة الملحقة بها من جهة أخرى، ما سيولد جهة صراع اجتماعي قوية تتحالف فيها القوى العاملة والرأسمالية الحقيقية المتضرّرة من الاحتكارات الرأسمالية الصحية». والمعنى واضح هنا: فالباحث يجعل الاقتصاد الأميركي والعالمي ككل، مؤلّف من قطاعين، يسمي الأول الرأسمالية الحقيقية، والآخر هو الاحتكارات الرأسمالية الصحية، أما الانقسام الفعلي بين الاقتصاد الحقيقي في الرأسمالية الفعلية والاقتصاد المضارب والشبحي في الرأسمالية المالية فمشطوب عليه في تحليل صالح؛ إضافة إلى أنه يجعل الصناعات الصحية خارج الرأسمالية الفعلية المنتجة، وهي في الواقع جزء حقيقي منها، في سياق توقعاته بأنها ستتحوّل إلى رأسمالية احتكارية.
ولكن ما المقصود بالرأسمالية الاجتماعية التي سيؤول إليها الوضع العالمي، وما حقيقة وإمكانية تحقّق هذا الاستشراف؟
تنطلق نظرية «الرأسمالية الاجتماعية»، وهي ليست نظرية جديدة كما يعتقد البعض، من موقف وسطي يقوم على ترويج فكرة أنّ العداء الرأسمالي الجذري والمتأصّل لأهداف الاشتراكية هي فكرة غير صحيحة، ولذلك يمكن التعويل على عملية مصالحة تجمع الرأسمالية التقليدية مع الأهداف الاجتماعية، ومنها تقليل نِسب الفقر في المجتمعات الرأسمالية، على افتراض أو رهان يقول إن «الرأسمالية الاجتماعية في أن الأسواق تعمل بشكل أفضل والإنتاج يكبر من خلال إدارة الدولة للاقتصاد الكلّي إدارة سليمة. وتفترض الرأسمالية الاجتماعية أنّ وجود شبكة دعم اجتماعي قوية تعزّز إنتاج رأس المال. ومن خلال خفض نسبة الفقر، تزيد نسبة المشاركة في سوق رأس المال. كما أن التنظيم الحكومي، وحتى رعاية الأسواق، يمكن أن يؤدّيا إلى نتائج اقتصادية أفضل، كما يتّضح في رعاية الحكومة للإنترنت أو تنظيم سندات الضمان الأساسي».
تعود هذه الفكرة، تأسيساً، إلى رئيس الوزراء الأسترالي كيفين رود الذي دعا، في أوائل عام 2009، إلى اتّباع نهج اقتصادي جديد سمّاه «الرأسمالية الاجتماعية»، والذي يشمل «نظاماً من الأسواق المفتوحة، وهو نظام منظّم بوضوح من قِبل داعمين له، ونظاماً آخر تتدخّل فيه الدولة لتقلّل من التفاوتات الأكبر في أن الأسواق التنافسية حتماً ستتواجد»، وكل هذه البضاعة قديمة ولا جديد فيها سوى زمان تكرار طرحها.
إنّ الجذور النظرية للرأسمالية الاجتماعية، كان قد طرحها لأول مرة كيس فان كيرسبيرغن، في الدراسة البارزة عن الاقتصادات الأوروبية، وكانت بعنوان «الرأسمالية الاجتماعية»، وهي دراسة واسعة عن الديموقراطيات المسيحية ودولة الرفاهية. وفيها يحدّد كيرسبيرغن «النواة المشتركة» لدولة الرفاهية الأوروبية، ويضع الرأسمالية الاجتماعية باعتبارها «طريقاً وسطاً» بين الجماعية الاشتراكية والفردية الليبرالية الجديدة. وكل هذا الكلام أصبح جزءاً من رماد التاريخ النظري، مع انتهاء عصر نموذج دولة الرفاهية وضمور الرفاهية ذاتها في قلاعها الغربية المثقلة بالديون الداخلية والخارجية.
لقد قيل الكثير في عبثية هذه التنظيرات ولا جدواها التاريخية، ولكنّها، مع كل أزمة ترجُّ الاقتصاد العالمي، وتترنّح بفعلها قواعد النظام العالمي الإمبريالي، تنبعث كما العنقاء من رمادها، في محاولة للحدّ من استشراف وتجذير البدائل والممكنات الثورية التي قد يفكر بها الناس ذوو المصلحة الحقيقية في التغيير الاشتراكي الحقيقي. وما يُقال عن «الرأسمالية الاجتماعية» بصيغتها المكرّرة هنا، يمكن أن يُقال عن مجمل الرؤية التي ينظر لها صالح، إنّما تبقى المنهجية المعتمدة مفيدة جداً في سياق التحليل والتفكيك، لا في وضع البدائل والحلول، فهذا شأن آخر سيتكفّل به آخرون سيخرجون بالدروس المناسبة من الأزمة الراهنة وتداعياتها المقلقة المقبلة، ومن كلّ دروس الأزمات التي مرّت بها وأفرزتها الرأسمالية، منذ مرحلتها التوحّشية البدائية وحتى طورها الوبائي الحالي.
* كاتب عراقي