لم تمر على لاعبي كرة القدم سواء في لبنان أو في العالم وحتى على عشاق اللعبة ومتابعيها ظروف مماثلة. شللٌ تام على صعيد المنافسات والمباريات. لاعبون يلتزمون منازلهم ويحاولون تمضية الأوقات مع عائلاتهم والبحث عن سبل التسلية. رغم ذلك تبدو الأمور صعبة جداً مع دخول فترة التعبئة العامة أسبوعها الرابع، فالملل يسيطر على حياة اللاعبين الذين يعيشون مع عائلاتهم ووسط أهلهم وأصدقائهم. فكيف هو الحال باللاعبين اللبنانيين المحترفين في الخارج والذين يعيشون تجربة الحجر المنزلي وحيدين من دون عائلاتهم يَعدّون الساعات بانتظار إما عودة النشاط أو العودة إلى وطنهم وأهلهم.

بعد توقّف النشاط المحلي منذ السابع عشر من تشرين الأول 2019 عقب بدء التحركات الشعبية في لبنان، اختار عددٌ من اللاعبين اللبنانيين خوض تجربة احترافية في الخارج. من هؤلاء اللاعبين لاعبو العهد مهدي خليل، خليل خميس، محمد قدوح، ربيع عطايا، ولاعب النجمة قاسم الزين، ولاعب الصفاء حسن مهنا. سبقهم إلى الاحتراف حسين الدر الذي اختار الاحتراف الخارجي قبل سنوات.

يسعى محمد قدوح لحجز مقعد له على الطائرة الآتية من السعودية


يخرج خليل خميس مرة واحدة في الأسبوع من منزله في ماليزيا

هرب هؤلاء اللاعبون من توقف النشاط الكروي في لبنان، فاصطدموا بتوقف الدوريات التي يلعبون فيها جراء أزمة كورونا. بعضهم نجح في العودة إلى لبنان، وآخرون بقوا في البلدان التي يحترفون فيها بانتظار الفرج.
لاعب العهد خليل خميس من اللاعبين الذين فضّلوا السفر إلى الخارج على البقاء من دون مباريات كرة قدم محلياً. صحيح أن فريقه كان ينافس في كأس الاتحاد الآسيوي، لكن مباريات هذه المسابقة فقط قد لا تكون كافية لمدافع العهد الصلب. سافر خميس إلى ماليزيا واحترف مع فريق باهانغ ولم تكد تمرّ بضع مباريات حتى توقف الدوري بسبب كورونا وأصبح لزاماً عليه البقاء في المنزل وحيداً.
يتحدث خميس لـ«الأخبار» عن أيامه في مدينة كونتانغ في محافظة باهانغ التي تبعد أربع ساعات بالسيارة عن كوالالمبور. «الحمد لله لا توجد إصابات كثيرة في المحافظة التي أعيش فيها. هناك خمسون حالة فقط، لكن رغم ذلك هناك إجراءات قاسية ونمط حياة صعب. توقفت التمارين منذ 15 آذار وحتى 12 نيسان، ومنذ ذلك الحين تغيّرت الحياة رأساً على عقب. لا أخرج إلا مرة في الأسبوع لشراء الحاجيات. أما التمارين فتقتصر على تلك التي يمكن القيام بها داخل المجمع مع اللاعبَين الأجنبيَّين في الفريق وهما من فرنسا ونيجيريا» يقول خميس.
وعن عدم عودته إلى لبنان يشير لاعب العهد السابق إلى أن توقف الدوري جاء قبل أيام قليلة من إقفال المطار، كما أن الصورة لم تكن واضحة في ماليزيا حول مستقبل الدوري «لذلك فضّلت البقاء. كنت آمل أن يأتي ربيع (عطايا) إلى منزلي ونمكث سوياً في هذه الأزمة، لكن الشرطة منعت التنقل بين المحافظات».

عطايا والـPUBG
ظروف عطايا لا تختلف عن ظروف زميله. فهو محترف في فريق «يو أي تي إم» في كوالالمبور ولا يخفي لـ«الأخبار» بأنه غير مرتاح على الإطلاق في هذه الفترة جراء أزمة كورونا وتوقف الدوري وإلزامية البقاء في المنزل. «لا أخرج إلا نادراً لشراء الحاجيات. كل ستة أيام مرة واحدة. والمشكلة أنني معتاد على عائلتي وأولادي، فلو كانوا معك لكانت الأمور أسهل. لكن حين تكون وحيداً فالأمر يكون صعباً جداً».
هذا الضغط النفسي يؤثر على «شهية» عطايا لإجراء التمارين. فالأجواء لا تساعد على ذلك، «وأنا لاعب لي خصوصيتي على صعيد التمارين. فإذا لم تكن هناك أجواء مؤاتية، لا أستطيع أن أتدرب» يقول لاعب منتخب لبنان.
لكن كيف يمضي لاعب فريق العهد السابق أيامه؟

يعيش ربيع عطايا ضغطاً نفسياً بسبب بُعد عائلته عنه


يحاول حسين الدر الإفادة من هذه الفترة

قلبت نظام حياتي ليتلاءم مع توقيت بيروت. «فأنت تتصل بي عند الساعة الرابعة عصراً بتوقيت بيروت أي العاشرة بتوقيت كوالالمبور. لا أخفي عليك بأنني استيقظت قبل نصف ساعة. أتقصّد ذلك كي يتلاءم مع توقيت أهلي وأصدقائي وعائلتي. لعل أكثر ما يساعدني على تمضية الوقت هو لعب الـPUBG مع أصدقائي كاللاعبين نصار نصار ومحمد حيدر ومحمد قدوح وحسين منذر. وهناك أصدقاء آخرون كجمال عبيد وفيصل مراد ورامي شاهين أمضي معهم أوقاتي. إضافة إلى الـPUBG هناك الـNETFLIX ومشاهدة الأفلام والمسلسلات. هذا طبعاً إلى جانب الحديث مع العائلة والأولاد والأهل. ومن الأمور التي تساعدني على تمضية الوقت هي الطبخ. فأنا أعيش وحيداً وبالتالي يجب أن أطبخ لنفسي، لذلك أختار أشياء أستطيع القيام بها. اليوم مثلاً سأقوم بطهو الشاورما. لديّ جميع المستلزمات من بهارات وبصل وطماطم» يبتسم عطايا قبل أن يضيف «ماذا نفعل يجب تمضية هذه الفترة».
لكن لماذا لم يأتِ عطايا إلى بيروت مع توقف الدوري الماليزي؟
«ما حصل معي لا يصدّق. كانت عائلتي في طريقها إلى ماليزيا. ووصلت إلى مطار الدوحة في قطر كمحطة ترانزيت. لكن قبل إقلاع طائرتها إلى كوالالمبور اتخذت السلطات الماليزية قراراً بعدم السماح للأجانب بالدخول إلى ماليزيا. عادت العائلة أدراجها إلى بيروت، ولم يعد هناك من مجال لي للسفر إلى لبنان. فالمطار أُغلق وبقيت في ماليزيا» يقول الكابتن ربيع بحسرة.

ينتهي عقد قاسم الزين مع الميناء العراقي في الأول من أيار المقبل


الدر: ليت خطيبتي كانت معي
ليس بعيداً عن ماليزيا، هناك لاعب لبناني آخر يعيش وحيداً في هذه الظروف الصعبة. حسين الدر، المحترف في إندونيسيا مع فريق«PSM MAKASAR». أيضاً ما هو مريح أن حالات الكورنا غير منتشرة بشكل كبير. «هناك 52 حالة فقط ورغم ذلك البلد مقفل. توقفت التمارين منذ 15 آذار وحتى الأول من حزيران. لم أستطع العودة إلى لبنان فقد أقفل المطار بعد ثلاثة أيام من توقف الدوري» يقول الدر لـ«الأخبار».
يحاول المحترف اللبناني الاستفادة قدر الإمكان من هذه الفترة وهو لا يعاني من مشكلة على صعيد الطعام. «بيتي ملاصق للبحر، حيث أقوم بالتمارين اليومية. كما أنني أحب قراءة الكتب وتعلّم اللغات. فأنا أعرف إلى جانب العربية اللغتين الإنكليزية والفرنسية وقليلاً من الإسبانية. وأحاول زيادة إتقاني لهذه اللغات. أما بالنسبة إلى الأكل فأنا أعيش وحيداً منذ سنوات ومعتاد على الطبخ. كما أنني نباتيّ وبالتالي المسألة سهلة».
لا يخفي الدر اشتياقه إلى لبنان، فهو يختم حديثه بعبارة «يا ليت خطيبتي وأهلي كانوا إلى جانبي. لكانت الأمور ستكون أسهل بكثير» يقول لاعب فريق «PSM» بغصّة في ختام حديثه.

خليل: وجود زوجتي يساعدني
وإذا كانت حالات الإصابة بفيروس كورونا قليلة في ماليزيا وإندونيسيا، فهي ليست كذلك على الإطلاق في إيران وتحديداً في أصفهان. هناك يحترف حارس مرمى منتخب لبنان وفريق العهد، أفضل لاعب في آسيا، مهدي خليل. لا تختلف ظروف خليل عن زملائه. الفارق الوحيد أنه موجود في إيران وإلى جانبه زوجته الزميلة الإعلامية ميريام داموري. «وجودها يخفف عني كثيراً، وخصوصاً أن الدوري متوقف منذ حوالى الأربعين يوماً. فكّرنا في العودة إلى لبنان قبل إقفال المطار، لكن كنا سنضطر إلى الدخول في حجر صحي لأسبوعين. حينها ستكون الأمور متشابهة. هنا محجورون وفي بيروت محجورون فقررنا البقاء، إلى جانب عدم المجازفة بتعريض أهلنا للخطر» يقول حارس مرمى فريق ذوب آهان أصفهان الإيراني.
الـ«PUBG» والـ«NETFLIX» والتواصل مع الأهل وأصدقاء اللاعبين في غربتهم


وعن كيفية تمضيته للوقت مع زوجته يقول الكابتن مهدي «أجري التمارين بإشراف مدرب حراس الفريق البرازيلي بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع على ملعب النادي. كما أذهب إلى النادي الرياضي الخاص بالفريق، إلى جانب التمارين المنزلية.
أما على صعيد التسلية والترفيه فنلجأ إلى الأفلام والمسلسلات والتواصل اليومي مع الأهل الذين هم قلقون علينا. وبالنسبة إلى الطعام فميريام تقوم بمهمة إعداد الطعام وهي ماهرة في ذلك وبالتالي لا توجد مشكلة».
وعن مستقبله مع الفريق يشير الحارس خليل إلى أن هناك اجتماعاً للمسؤولين في إيران في 20 نيسان المقبل للحديث عن مستقبل المنافسات. «هناك أكثر من سيناريو كتتويج فريق بيرسيبوليس باللقب كونه يتصدّر بفارق سبع نقاط عن أقرب منافسيه قبل عشر مراحل على انتهاء الدوري. ومن الممكن أن تُستكمل البطولة في منتصف أيار. الأمور غير محسومة بعد. في حال جرى تتويج المتصدّر وانتهى الدوري وعاد مطار بيروت إلى العمل، فحينها سنعود إلى لبنان» يختم أفضل لاعب في آسيا حديثه.

قدوح لجأ إلى السفارة اللبنانية
عربياً، هناك لاعب وحيد يحترف حالياً في بلدٍ عربي. محمد قدوح المحترف مع فريق الجندل السعودي الذي ينافس في بطولة الدرجة الثانية. لاعب فريق العهد وصل إلى نهاية مشواره مع فريقه بعد توقف الدوري في 17 آذار. فعقده ينتهي في 26 نيسان وهو أنهى أموره مع ناديه. تواصل مع السفارة اللبنانية في السعودية ووضع اسمه ضمن الأشخاص الراغبين بالعودة إلى لبنان.
حالفه الحظ بأن يحصل على مقعد في أول طائرة جاءت من السعودية، وهو موعودٌ بأن يكون على متن الطائرة الثانية الآتية من السعودية.

نجح قاسم الزين وحسن مهنا بالعودة إلى بيروت قبل إقفال المطار


يشكر قدوح زملاءه اللاعبين وإدارة النادي على حسن تعاملهم، فهم وقفوا إلى جانبه. «لكن هذا لا يغيّر من صعوبة المرحلة حين تكون وحيداً. تحاول تمضية الوقت بأيّ طريقة. بعد التمارين في النادي، وأغلب الأوقات لعب الـPUBG مع أصدقائي لاعب العهد حسين منذر ولاعب شباب البرج يوسف عتريس، وابن عمي حسن قدوح المقيم في أميركا. كما أتحدث مع الأهل كثيراً. آمل أن أستقلّ الطائرة التالية المتوجهة إلى لبنان. فالوضع النفسي صعبٌ جداً» يقول الكابتن محمد لـ«الأخبار».
لاعبان آخران احترفا خارجياً بعد توقف الدوري المحلي، لكنهما كانا محظوظين بالعودة إلى لبنان قبل إقفال المطار، حسن مهنا وقاسم الزين. الأول عاد من أرمينيا حيث كان يلعب مع فريق سيفان في الدرجة الثانية في 17 آذار بعد إعلان حالة الطوارئ بعد أن أمضى شهرين هناك.
أما الزين فعاد من العراق وتحديداً البصرة بعد توقف الدوري في 12 نيسان جراء وفاة أحد الأشخاص بسبب فيروس كورونا في البصرة. خاض قائد فريق النجمة أربع مباريات مع فريق الميناء العراقي وعاد في آخر رحلة من البصرة إلى بيروت. لا يعرف ما ستؤول إليه الأمور. «ينتهي عقدي في 1 أيار. وما زالت الأمور غير واضحة بالنسبة إلى الدوري العراقي» يقول الكابتن قاسم لـ«الأخبار».