كل المؤشرات تؤكد أن الحياة لن تعود إلى طبيعتها قبل أشهر. المتفائلون يتحدّثون عن شهر آب، فيما يدعو آخرون إلى انتظار ربيع 2021 للقضاء على كورونا. التعبئة العامة وما سبقها من قرارات لإغلاق الأماكن العامة والمطاعم والمتاجر، كلها إجراءات يفترض أن تكون قد حدّت من الكارثة في لبنان. لكن مع ذلك، فإن أرقام المصابين ترتفع باستمرار، ولذلك يرجّح أن تزداد الإجراءات تشدّداً في الأيام المقبلة.

هذا يقود عملياً إلى تحوّل الحجر المنزلي، مع تقدم الوقت، إلى أسلوب حياة. ذلك أمر ضروري لمواجهة انتشار كورونا، لكن تأثيره، في المقابل، سيكون كارثياً بالنسبة إلى كل مفاصل الاقتصاد، ولا سيما طرفيه الأساسيين، أي الشركات والأسر. كارثي، لكن لا بد منه، ولذلك لا بديل عن تدخل الدولة لإنقاذ الطرفين. فالشركات، ولا سيما منها الصغيرة والمتوسطة، مهدّدة بالإفلاس، والأسر مهدّدة بالبطالة والجوع. حتى الآن لا ترقى الإجراءات الحكومية إلى مستوى المصيبة. الاكتفاء بقرار توزيع «مساعدات اجتماعية وغذائية للمواطنين الذين تعطلت أعمالهم وفقدوا وسيلة رزقهم» لا يعبّر عن تقدير حجم المأساة. كل يوم يمرّ يحمل معه أخباراً عن صرف موظفين أو خفض رواتبهم. تلك الإجراءات لم تستثن حتى المصارف التي راكمت الثروات على مدى ثلاثين عاماً. بمجرد أن طاولتها الأزمة، كان صرف الموظفين إجراءها الأول، وحتى قبل تفشّي فيروس كورونا. المطلوب تقييم دقيق من الدولة لأوضاع الشركات، تمهيداً للتمييز بين التي تملك السيولة وتسعى للاستفادة من الظرف الراهن لطرد موظفيها أو تخفيض رواتبهم، وتلك التي تحتاج فعلاً إلى الدعم، بما يسمح بضبط أعداد الملتحقين بجيش العاطلين عن العمل. هنا لا يستوي القول بعجز الدولة. مصرف لبنان اعتاد على طبع العملة لتسديد خدمة الدين. وربما الأولى به اليوم أن يحوّل هذه الأموال إلى المواطنين المهدّدين بوظائفهم وبلقمة عيشهم.

وزارة العمل تنفي سعيها لتشريع تخفيض الرواتب


الاستقرار الوظيفي كان بدأ يختلّ منذ عام 2019، فأتى كورونا ليجعل أي حديث عن التعافي القريب ضرباً من الخيال. لا تقديرات لنسب البطالة المستجدة. آخر الإحصاءات سابق على انتشار كورونا وإعلان التعبئة العامة. شركة infopro للأبحاث كانت قدّرت عدد الذين فقدوا وظائفهم حتى منتصف شباط بـ220 ألفاً.
مؤسسات عديدة أغلقت أبوابها فعلاً، وقبل انتشار فيروس كورونا، وأخرى تنتظر دورها. لكن بدلاً من أن تتولى الحكومة مسؤوليتها في هذا الصدد، كشف الزميل محمد زبيب عن اقتراح يناقش في وزارة العمل يشجع الشركات على تخفيض رواتب موظفيها، عبر قوننة هذا الإجراء، الذي تنص المادة 59 من قانون العمل على عدم جوازه حتى لو تم بموافقة الموظف. وبالرغم من نفي مصادر الوزارة قيامها بأي خطوة من هذا القبيل، مشيرة إلى أن العمل جار لحماية العمال والأجراء من تداعيات الأزمات المتلاحقة، يتم التداول باقتراح مكتوب، ينسب إلى الوزارة. يدعو إلى «ضرورة اشتراك صاحب العمل والأجير» في تحمل المسؤولية، طالما أن قرار الإقفال لا علاقة لهما به. لا ينسى الاقتراح التذكير بأن دور الوزارة هو «رعاية علاقات العمل وحماية حقوق العمال»، لكنها مع ذلك لا تتردد في اقتراح تعديل المادة 59، بحيث تصبح الاتفاقات المبرمة بين أصحاب العمل والعمال، لجهة تعديل بنود العقد المتعلقة بالدوام والأجور وملحقاتها، نافذة. وفي سبيل «حماية» العمال تتدخل لتفرض أن لا يتخطى التخفيض، في جميع الحالات 50 في المئة من قيمة الأجر، وبما لا يمس الحد الأدنى للأجور!
وإذ يحدد الاقتراح أن تكون المدة القصوى لنفاذ هذه الإجراءات ثلاثة أشهر، مع إمكانية تقصير هذه المدة، فهو ينص على التزام صاحب العمل بتسديد المبالغ المحسومة بعد انتهاء الظرف الاستثنائي، على أن لا تقل الدفعة الشهرية عن 15 في المئة من قيمة المتوجب.

الحجر المنزلي لا يسمح بتقدير الأضرار الاقتصادية بدقّة


تلك إجراءات إذا صحّت، فهي ستزيد الأزمة بدلاً من الحد منها. كذلك فإن المسار الانحداري الراهن، والذي يغذيه تداخل الانهيار المالي مع انتشار الوباء، سيكون تأثيره كارثياً على القوى العاملة وعلى الشركات، كما على تحصيل الضرائب وعلى القطاع العام. مع ذلك، يوضح رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس أن الحجر المنزلي لا يسمح حالياً بتقدير الأضرار بدقة، متوقعاً أن تظهر الصورة القاتمة مع استحقاق الرواتب نهاية الشهر الحالي. لكن، وإذ يؤكد شماس تمسك التجار بالموظفين، فإن البيان الصادر عن الجمعية، أول من أمس، والمتضمن للإجراءات التي «ترجو من الحكومة والجهات المعنية المختصة أخذها بأقصى الاعتبار»، ومنها إجراءات مصرفية ومالية وضريبية، يثير القلق. في البيان مطالبة بالسماح للمؤسسات بتعليق عقود العمل لفترة موقّتة، إعادة النظر في الإجازات السنوية في إطار كل شركة ومراعاةً لنظامها التشغيلي، وإلغاء بعض أيام الإقفال الرسمية لما تبقّى من هذه السنة!