بغداد | «لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبدّ الألم،
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم».
بكلمات شاعرهم الذي قضى عمره عليلاً بين المشافي، بدر شاكر السيّاب، يواسي العراقيون أنفسهم في مواجهة أزمة فيروس كورونا المستجد، مقابلين إجراءات الوقاية الحكومية وتحذيرات المنظمات الصحيّة بكثير من اللامبالاة واليأس. يأس عرفه العراقيون من تراكم المآسي والمخاضات، وانعدام أفق الأمل في الغد، فتراهم في أحاديثهم يستعيدون الويلات التي مرّت على البلاد مذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الحرب مع «داعش»... مئات الآلاف من الأحبّة فقدوا، حتّى صار الموت والحياة سيّان في بلاد الرافدين، كأنهم تنكروا لجدّهم الأكبر «كلكام» وسعيه نحو عشبة الخلود، فاستعذبوا طريق الخسارات واستأنسوا الفقدان.



شارع المتنبي الثقافي المعروف لم يشهد إغلاقاً لمكتباته و«بسطات» كتبه


الموت «روتين عراقي»
تنقل الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي تجمعات العراقيين المكتظة في الأسواق الشعبية والشوارع العامّة ولسان حالهم يقول إن «كان الموت الجماعي جديداً على أرجاء العالم، فقد خبرناه هنا حتى اعتدناه». إنه في النهاية «روتين» عراقيّ قديم. حتّى إن الحكومة تحاول إقناع المواطنين بتأجيل التظاهرات الاحتجاجيّة والزيارات الدينية تحسّباً من تفشٍّ متوقع لا تتحمله البلاد التي تتذيل قائمة الرعاية الصحيّة في العالم. غير أن كلّ ذلك لا يقنع حشد الجموع في المدن العراقيّة.
شارع المتنبي الثقافي المعروف مثلاً لم يشهد إغلاقاً لمكتباته و«بسطات» كتبه، ونقلت الفضائيات صوراً لروّاده متجمعين حول بعضهم في نشاطاتهم الأسبوعيّة المعتادة، بل إنّ بعضهم رفع لافتة «المتنبي يتحدى كورونا»، ما جعلهم عرضةً للنقد كونهم «واجهات» مجتمعية ينبغي لها تقدير المسؤولية وخطورة الموقف.

جدل فايسبوكي
وكما هو الحال المعتاد في كلّ أزمة تمرّ على البلاد، تكون مواقع التواصل الاجتماعي مرآة كبيرة تعكس واقع المزاج العام للعراقيين. فقد انقسم الأدباء والمثقفون بين مشكك مرتاب من الوباء وحقيقة سطوته متّهماً «تضخيمات إعلامية» و«قوى عالمية» بخلق أسطورته، وبين غاضب مغتاظ من إجراءات الحكومة «البطيئة» في مواجهة التحدي، وبين محتاط ملتزم بالعزل الطوعي في البيت. حتى إنّ بعضهم دعا إلى أمسيات ثقافية على الإنترنت لضمان سلامة الناس، فيما روّج آخرون لـ«علاج الفيروس» بالسينما والقراءة والرسم وخلافها من العزلة الإيجابية، وعدّوها مناسبة للعودة إلى صفاء البيوت ودفء التواصل الإنساني الذي سحقته ماكينة العمل والركض المحموم وراء العيش.
إلى جانب ذلك، مثّل الوباء مظلّة نقاش جدليّ وتأمّل لبعض المثقفين العراقيين، فقاربوه بطرق متفرقة. كتب الناقد حسن ناظم: «لحظة كورونا لحظة أخلاقية تقتضي لحظة سياسية خاصة في العراق، تقتضي تشكيل حكومة»، مشيراً إلى أن العراق تجاوز أزمات كثيرة، «لكن كورونا ليس حرباً من عدو، ليس بين العراق والعالم، بل العالم كلّه في جهة والوباء في جهة، إنها لحظة موقف أخلاقي تضامني وأمل»، في إشارة إلى العراق الذي يقبع اليوم بلا حكومة وهو يواجه أكبر تحدٍّ عالمي يهدد الحياة. بينما كتب الشاعر والناقد شاكر لعيبي: «لعلها صدفة أن يضرب فيروس كورونا، الحليفين الصين وإيران في البدء، وليس بالضرورة حرباً بيولوجية ضد عدوّين كبيرين للهيمنة الأميركية على الكوكب. لكن يا للصدفة العجيبة التي حسبت بدقة كل شيء. صدفة استراتيجية».
بعضهم دعا إلى أمسيات ثقافية على الإنترنت، فيما روّج آخرون لـ«علاج الفيروس» بالسينما والقراءة والرسم


شكّلت الروائية والقاصّة رغد السهيل حالة نادرة في الوسط الثقافي، إذ حوّلت صفحتها الشخصية على فايسبوك منذ إعلان أول إصابة في البلاد، إلى نشرة يوميّة تُحدّث على مدار الساعة تضم معلومات وتحذيرات طبية وإجراءات وقائية ضد المرض، مستثمرةً تخصّصها الأكاديمي (دكتوراه مناعة بشريّة وفيروسات) في توعية متابعيها والردّ على أسئلتهم التي انهالت عليها من كلّ صوب. وأطلقت أكثر من هاشتاغ نال استجابة واسعة مثل «كورونا ليست مزحة» و«نطالب بأجهزة إنعاش رئوي». مجهود صاحبة «سايكو بغداد» و«ضحكة الخاتون» وحرصها الاستثنائي جعلها مثار إعجاب واسع في المشهدين الثقافي والمجتمعي على النت حتّى عدّها الناقد العراقي ياسين النصير «وزيرة الصحة الشعبية».

فعاليات مؤجلة
أول الضحايا الثقافية لفيروس «كوفيد 19» كان «معرض بغداد الدولي للكتاب» في دورته الثانية والعشرين، حيث جرى تأجيله مرتين، وكان آخر موعد مفترض له في آذار (مارس) الحالي، ليأتي بيان «اتحاد الناشرين العراقيين» بتأجيله مرة أخرى إلى شهر نيسان (أبريل) المقبل، وسط توقعات بعدم إقامته في ظل استمرار الأزمة. الأمر ذاته انسحب على الجلسات الأسبوعية لـ«الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العراقيين» في بغداد وباقي فروعه في المحافظات التي تم تعليقها إلى إشعار آخر، وما تبعه من قرار بإغلاق صالات السينما في البلاد ووقف النشاط المسرحي، فضلاً عن الأمسيات الثقافيّة وحفلات توقيع الكتب الخاصّة التي تقيمها المقاهي الثقافية في العاصمة مثل «قهوة وكتاب» و«رضا علوان» التي أغلقت التزاماً بقرارات خلية الأزمة.
سوق الكتاب والنشر تعرّض هو الآخر لضربة جديدة بسبب إجراءات حظر التجوال وإيقاف الأعمال العامّة والخاصّة، وما تبعه من إغلاق للمطابع وشركات نقل الكتب والتوزيع، ما فاقم الكساد الذي يضرب المصلحة والمستمر منذ ستة أشهر تقريباً بسبب تداعيات الحراك الشعبي تارة وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي تارة أخرى، ليترك أصحاب المكتبات، وغالبيتهم من القطاع الخاص، في معاناة حقيقية يعيدون نداء أيوب في قصيدة السياب الخالدة: «لك الحمد يا رامياً بالقدر/ ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء!».