يعاني قطاع الصحّة النفسيّة في لبنان من انعدام التوازن، إذ يعتمد توفير غالبية خدمات الصحة النفسيّة على القطاع الخاص مما يصعّب وصول الفئات الأكثر ضعفاً إلى هذه الخدمات. ولا يحظى قطاع الرعاية الأوليّة بالتمويل الكافي لتطوير خدمات الصحّة النفسيّة وتوسيع انتشارها لتطال القرى والبلدات البعيدة. انطلاقاً من هنا، نفّذت منظّمة أطباء بلا حدود، قبل عامين، برنامج «رأب الفجوة في الصحة النفسية» (MH Gap) في اثنتين من عياداتها في طرابلس والعبدة - عكّار. وهو برنامج أطلقته منظمة الصحّة العالميّة، ومُعتمد من وزارة الصحة العامة. وفي أعلى سلّم أولوياته زيادة قدرة نظام الرعاية الصحية الأولية على تقديم حزمة متكاملة من الرعاية (رعاية الاضطرابات النفسية والعصبية الإدمانية) من خلال دعم مقدمي الرعاية الصحية غير المتخصّصين وتدريبهم والإشراف عليهم لتعميم هذه الخدمات وتسهيل وصولها إلى من يحتاجون إليها.

في «اليوم العالمي للصحة النفسية» (الذي يصادف في العاشر من تشرين الأول من كل عام)، يمكن الحديث عن تجربة عمرها عامان، على لسان من خبروها، ومنهم عبير، السيدة الأربعينية التي استطاعت أن تتخطى «أصعب الأمراض»، على حدّ قولها. كانت عبير في إحدى عيادات المنظمة مع زوجها الذي يتابع علاجه في قسم الأمراض المزمنة. خلال الزيارة، قررت أن تستشير الطبيبة التي تعالج زوجها عن حالتها المتأزّمة، فأحالتها إلى الأخصّائيّة النفسيّة، بعدما أظهر الفحص الطبّي أن لا سبب عضوياً لما تعانيه من أعراض. بدأت عبير مشوارها من خلال حضور جلسات الدّعم النفسي، واستمرت بمراجعة الطبيبة نفسها، لأن حالتها كانت تتطلب برنامجاً علاجياً يجمع بين جلسات الدعم النفسي مع الأخصّائيّة النفسيّة والعلاج الدوائي الذي تقدمه طبيبة الأمراض المزمنة، بالتعاون والتنسيق مع الفريق الطبي وطبيب نفسي متخصص.
تقول أناييل سعادة، المشرفة على برنامج الصحّة النفسية في شمال لبنان: «كنا نواجه تحدّيات عدة في إحالة من يعانون من إضطرابات نفسيّة حادّة تتطلب علاجاً بالأدوية، بسبب عدم توفّر خدمات الصحّة النفسيّة بشكل كاف. كان الكثير من المرضى يعانون من طول لوائح الانتظار قبل الحصول على موعد، وآخرون يعانون من صعوبة الوصول إلى المراكز الصحيّة بسبب بعد المسافة او كلفة المواصلات». لهذا، كان برنامج «رأب الفجوة في الصحة النفسية»، الذي تكمن أهميّته في أنه يتصدّى لمحدوديّة الموارد البشرية في مجال الصحّة النفسيّة في لبنان. إذ يقدّر عدد الأطباء النفسيين في هذا البلد بـ71 طبيباً، أي 1.26 لكل 100 ألف نسمة، وعدد الأخصّائيين في علم النفس العيادي بـ 193 أي 3.42 لكل 100 ألف نسمة، بحسب آخر تقرير لمنظّمة الصحّة العالميّة حول نظام الصحّة النفسيّة في لبنان (2015).
عملت منظّمة أطباء بلا حدود بالتعاون مع وزارة الصحّة على تدريب الأطبّاء العامّين على وصف الأدوية لبعض المصابين باضطرابات نفسية عند الحاجة، تحت إشراف طبيب نفسي خارجي وبالتعاون مع فريق متعدد الاختصاصات. وفي هذا الإطار، يقدم البرنامج الإستشارات النفسية، والعلاجات بالأدوية للحالات «الحادة» من اكتئاب وقلق، إضافة إلى الذهان واضطراب ثنائي القطب للراشدين.
وفي إطار البرنامج الذي استفاد منه ما لا يقل عن 166 مريضاً في عيادتين (يشكلون حوالى 15% من مجمل المرضى المسجلين في برنامج الصحّة النفسية الذي تديره المنظّمة) كان يمكن الإستدلال إلى «نوعية» الأمراض النفسية التي يعاني منها المرضى. فقد شكّلت حالات الاكتئاب الحاد 60% من مجمل الحالات، تليها حالات القلق الحاد بنسبة 21%. وتوزّعت الحالات الباقية بين الذهان وإضطراب ثنائي القطب وغيرهما. وتعكس هذه النسب الإضطرابات النفسيّة الأكثر شيوعاً.
تقول الأخصّائيّة النفسيّة في عيادة أطباء بلا حدود في طرابلس ليليان أنطونيوس: «عندما بدأنا تنفيذ هذا البرنامج في مركز الرعاية الصحيّة الأوليّة، أصبح بإمكاننا القيام بتدخل سريع ومباشر عندما نلحظ ان العوارض تتفاقم، لنحد من تفاقمها وخطرها على الحياة أو على نوعيّة الحياة التي يعيشونها. ويلفت الدكتور أيمن عبد الغادي، وهو طبيب أمراض مزمنة يشارك في برنامج الصحّة النفسيّة، الى أنه «بعدما بدأنا العمل في إطار برنامج الصحة النفسيّة، تبيّن أن الكثير من مرضانا يعانون من حالات نفسيّة تؤثر على حياتهم وعلى مرضهم المزمن». ويضيف «نتعاون في هذا الإطار مع الإخصّائيّة النفسيّة والطبيب النفسي المختص المشرف على البرنامج لتقييم الحالات ووضع خطّة علاج. ويقوم الطبيب النفسي المشرف بزيارات دوريّة إلى العيادة، كما نتواصل معه في حال احتجنا لأي استشارة، وهذا التعاون مهم جدّاً لضمان جودة الخدمة التي نقدّمها».
رغم أن برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية «سمح لنا بالاستجابة لحاجات مهمّة في مجال الصحّة النفسيّة، لكننا لا نزال نعاني من تحدّيات»، تقول سعادة. وهي تتعلق بتوفير العلاج للحالات المستعصية كمحاولات الانتحار التي تتطلب دخولاً سريعاً إلى المستشفى، أو الحالات التي تتطلب تدخلاً من أخصّائي نفسي. هنا تكمن الصعوبة «في ظل غياب نظام إحالة لضمان استمرارية الرعاية. ورغم أننا باشرنا بتعميم هذا البرنامج على عيادات أخرى في مناطق نائية كالهرمل وعرسال، إلا أن أثر هذه التجربة سيبقى محدوداً ما لم يتم دعم وتطوير برامج لعلاج الاضطرابات النفسيّة في إطار الرعاية الصحيّة غير المتخصّصة على الصعيد الوطني».

* مديرة برامج الصحة النفسية في منظمة «أطباء بلا حدود»