عشية عام جامعي جديد، لا يجد طلاب التعليم العالي مجدداً من يحميهم من الوقوع ضحايا الفروع غير المرخصة للجامعات الخاصة في المناطق. فالفروع التي تغريهم في بداية العام بالحسومات الاستثنائية في كل الاختصاصات، قد لا تتورّع عن تركهم في منتصفه يواجهون مصيرهم بأنفسهم، بلا سابق إنذار. هذا ما فعلته أخيراً، على سبيل المثال، الجامعة اللبنانية الألمانية (LGU) التي أبلغت طلاب فرعها في صور نيتها إقفاله، في وقت كان مدير هذا الفرع يقوم بجولات استقطاب للطلاب على مدارس المنطقة!

في تحدٍ واضح لانذارات مجلس التعليم العالي، تغزو إعلانات فروع الجامعات الطرقات ومواقع التواصل الاجتماعي. الحسومات، بحسب الاعلانات، تصل إلى 40%، في ما يبدو إصراراً من الفروع المخالفة على تسجيل الطلاب، رغم تعهداتها بتسوية أوضاعها واستكمال الشروط القانونية للحصول على ترخيص أو «مباشرة تدريس» من اللجنة الفنية في مجلس التعليم العالي. إذ أنّ تقديم أي طلب لجامعة بفتح فرع لا يعني السماح بمباشرة التدريس قبل نيل موافقة المجلس.
في السنوات القليلة الماضية، رخّصت وزارة التربية لعدد لا بأس به من الفروع، ولم تقفل فرعاً واحداً غير قانوني منذ بدء العمل في تنظيم الملف عام 2010. وأعطى الوزراء المتعاقبون، بحسب مصادر في مديرية التعليم العالي، مهلاً لعدد من الفروع للإقفال وعدم استقبال طلاب جدد. علماً أن ثمة فروعاً صدر عام 2016 قرار بإقفالها نهائياً بحلول حزيران 2018 كحد أقصى، قبل أن تمدّد المهلة إلى حزيران 2019. إلا أن أياً منها لم يقفل حتى الآن، على الأرجح لوجود تغطيات سياسية.

قرارات إقفال لم تنفذ
عام 2010، طُرحت إشكالية الفروع الجامعية غير المرخصة المنتشرة بشكل غير منضبط وغير قانوني، ومعظمها عبارة عن تأجير جامعات تراخيصها لشركات لافتتاح فروع في المناطق، بطريقة أشبه ما تكون بـ«فرانشايز» المطاعم! يومها، أجازت الحكومة للجنة الفنية في مجلس التعليم العالي التدقيق في واقع فروع الجامعات. فتشكلت لجان تدقيق أكاديمية ضمّت نحو 250 أستاذاً من الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة لإجراء كشف ميداني على الفروع والتحقق من التزامها بالشروط. وأبلغت الجامعات بعدم فتح أي فرع جديد من تاريخه. وفي تشرين الثاني 2011، طلبت مديرية التعليم العالي من الجامعات المخالفة تسوية أوضاع فروعها قبل 31 تموز 2013، على أن يكون لكل مؤسسة مركز رئيس في منطقة جغرافية، وأربعة فروع جغرافية في كل لبنان، أي فرع واحد في كل من: بيروت، جبل لبنان، البقاع، طرابلس أو عكار، الجنوب أو النبطية.
الكشف على 29 فرعاً آنذاك أظهر واقعاً مزرياً. إذ تبين أنّ أياً منها لا يستوفي الشروط لجهة الإدارة الأكاديمية! وكانت نسبة الفروع التي تحتاج إلى بعض التحسينات 27.8%، وتلك التي تتطلب تحسينات أساسية 52.15%، أما التي لا تستوفي أياً من الشروط فبلغت 21.6%. وضعت لجان التدقيق تقاريرها ورفعتها إلى اللجنة الفنية التي جمعتها في تقرير موحد رفعته إلى مجلس التعليم العالي. الأخير اتخذ، بناء على التقرير، توصيات بالترخيص لفروع برّرت وضعها. أما تلك التي لم تحصل على ترخيص أو لم تتقدم أساساً بملفات لطلب الترخيص ولا تتوافر فيها الشروط والمعايير القانونية، فقد أوصى المجلس «بإبلاغها القرار بالإقفال وإبلاغ النيابات العامة نسخاً من هذا القرار من أجل السهر على تطبيقه». أكثر من ذلك، اتخذ المجلس يومها قراراً بـ«إصدار لائحة مفصلة تتضمّن أسماء واختصاصات وفروع الجامعات المرخصة، ونشر هذه اللائحة لتكون في تصرف الرأي العام، وبالتالي، فإن كل ما هو غير وارد ضمنها يعدّ غير مرخص وشهاداته وإفاداته غير مقبولة وغير مصادقة وغير معادلة». إلا أن أياً من هذا كله لم يحصل. فلا اللائحة صدرت، ولا أُقفل اي من الفروع غير المرخّصة. بل رُخّص لفروع جديدة في عهد وزير التربية السابق مروان حمادة حتى بات عددها اليوم أكثر من 35 فرعاً في المناطق!

شروط الترخيص وعقوبات
من الشروط الأساسية لترخيص الفرع الجامعي وجود أستاذ متفرّغ مع شهادة معادلة لكل 30 طالباً، أو أستاذين متفرغين يحمل أحدهما دكتوراه والثاني «ماستر» لكل 60 طالباً، وأربعة أساتذة (اثنان يحملان دكتوراه واثنان يحملان درجة الماستر) لكل 120 طالباً، على أن يكون مدير الفرع من حملة الدكتوراه، وأن يكون هناك مجلس فرع لكل فرع.
وحدّد قانون التعليم العالي وتنظيم التعليم العالي الخاص الرقم 285 (30 نيسان 2014)، جملة من العقوبات على الجامعات المخالفة، منها «إحالة الجامعة التي خالفت أو تخالف أياً من شروط الترخيص، أو أنها فقدت أحد الشروط الواردة في القانون، على اللجنة الفنية الأكاديمية للتحقيق وإبداء الرأي، وإذا ثبتت المخالفة، يوجّه الوزير إنذاراً إلى إدارة الجامعة بوجوب إزالتها خلال مهلة يحدّدها لا تقلّ عن 6 أشهر، ويمكن لمجلس التعليم العالي أن يوصي الوزير بتمديد المهلة، على ألا تتجاوز كامل المهلة حتى نهاية السنة الدراسية اللاحقة مباشرة لتلك التي تثبت إبانها المخالفة. وإذا لم تزل إدارة المؤسسة المخالفة الحاصلة ضمن المهلة المحددة، تطبق على المؤسسة العقوبات المنصوص عليها في القانون لا سيما إلغاء الترخيص بالإنشاء بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح الوزير». و«في حال التدريس في حرم جديد غير مرخّص، أو في كليات غير مرخّصة أو اختصاصات غير مرخصة، يجري وقف العمل فوراً في الحرم أو الكلية أو الاختصاص، بقرار من الوزير بناء على توصية مجلس التعليم العالي، وفرض غرامة مالية قدرها ثلاثمئة ضعف الحد الأدنى الشهري للأجور عن كل مخالفة. وفي حال تكرار المخالفة تضاعف الغرامة، وإذا لم تستدرك الجامعة مخالفتها عند انتهاء مدة العقوبة، توضع تحت وصاية مجلس التعليم العالي حتى تخريج الطلاب المنتسبين إليها، ويمنع عليها طيلة مدة وضعها تحت الوصاية أن تستقبل طلاباً جدداً».



محطات الوقود أكثر تشدداً!

أكد وزير التربية أكرم شهيب أنّه لن يوقع أي ترخيص بإنشاء جامعة جديدة، مشيراً إلى أن التراخيص التي أعطيت في السابق إستنسابية وذاتية في أحيان كثيرة. وفي اجتماع ترأسه شهيب لمجلس التعليم العالي، في 27 الجاري، أشار إلى أن هناك جامعات مخالفة وأخرى تتطلب وضع الوصاية عليها، وثالثة تحتاج إلى تقييم مستمر سنداً لنصوص القانون 285 /2014. وقال إن هناك مخالفات في الفروع والاختصاصات، «فيما تتقدم جامعات بطلبات لمنح شهادات الدكتوراه وهي لا تتمتع بالقدرة البحثية». وتوقف المجتمعون عند المعايير والمتطلبات الواردة لفتح مؤسسة للتعليم العالي، معتبرين أن «شروط فتح محطة للوقود باتت أكثر قساوة وتشددا» من فتح جامعة خاصة. وأكدوا أن «القانون الحالي لا يكرس حقوقا مكتسبة لأي مؤسسة، وبالتالي فإن من قام بالغش يترتب عليه الكثير من العواقب، ومنها سحب التراخيص ووقف الفروع المخالفة وصولا إلى الإحالة على النيابة العامة والحكم بالسجن والغرامات».