لا يختلف إثنان ملمّان بالشأن التربوي على أن الامتحانات الرسمية تعد من أبرز أشكال سيادة الدولة في مجال التعليم، حتى بات يطلق عليها «فخامة الامتحانات الرسمية». فالثانوية العامة أصبحت الهوية التربوية التي تخوّل تلامذتنا العبور إلى الجامعات، ليس في لبنان فحسب، إنما في معظم دول العالم. وقد تحوّل النظام التربوي بكل عناصره (مديريات التعليم، دائرة الامتحانات الرسمية، مديرية الإرشاد والتوجيه، المركز التربوي للبحوث والإنماء، المدارس، المعلمين... الخ) أداة لتحضير التلامذة لخدمة هذه الامتحانات التي ينبغي أن تكون وسيلة تقويم أساسية للنظام التربوي لتطوير أدائه وإصلاح مكامن الخلل فيه.

يعود تاريخ الامتحانات إلى عهد الانتداب الفرنسي يوم نُظّمت مناهج البكالوريا وامتحاناتها بموجب المرسوم 4430 عام 1929، فكانت بمثابة بدء تشكيل النظام التربوي الذي ما زال لبنان ينسج على منواله حتى اليوم، ما عدا بعض التعديلات التنظيمية والفنية التي طالت المناهج خلال اعوام 1933 و1946 و1968 وآخرها عام 1997، والتي أكسبتها صفة الوطنية عن عهد الانتداب. إلاّ أنّها لم تحدث تغييرات جوهرية في الامتحانات، فبقيت الغاية منها إعطاء الشهادات الرسمية للتعليم العام لمن يحقق المعدل المطلوب للنجاح، وإهمال الهدف الآخر المتعلق بالتحقق من تطبيقها للأهداف التربوية لإنتاج مواطنين اجتماعيين يتمتعون بالمعارف والكفايات والسلوكيات والأخلاقيات الضرورية.
والباحث في شؤون التقويم التربوي الحديث لن يجد في هذه الامتحانات سوى وجه من مظاهر السلطوية في التربية. ففي وقت تسعى فيه التربية إلى تفجير طاقات الفرد وبناء شخصية شاملة ومتكاملة ومتوازنة، تأتي هذه الامتحانات لتحويل التلامذة إلى أوانٍ فارغة تصب فيها المعلومات والمعارف لتختزنها من دون وعي أو نقد أو تحليل، بدلاً من أن تكون فرصة لإعداد الفرد المفكر، المبدع، الناقد والقادر على حل المشكلات.

نواتج تعلمية لا كفايات
تقتصر الامتحانات الحالية على قياس نواتج تعلمية قائمة على معارف ومهارات محدودة في المواد التي يُمتحن بها التلميذ، ما يجعل من الحكم على مصيره بالكفاءة أو النجاح أو الرسوب حكماً غير موضوعي وغير علمي، لأن الحكم الصحيح يقوم على قياس لمستوى الكفايات لدى التلميذ، وليس ما يدركه من معارف فحسب، بل ما يمتلكه ايضاً من مهارات عقلية وجسدية، وما يتصف به من أمور وجدانية متعلقة بالميول والاتجاهات واتخاذ المواقف وحسن التصرف. فهل من المنطق، على سبيل المشابهة، أن نسمح بإعطاء رخصة قيادة لمن يجتاز اختبار المعارف المتعلق بإشارات وقوانين السير فقط، من دون التأكد من مدى قدرته ومستوى أدائه في قيادة السيارة؟
العدالة تقتضي أن يقوّم التلميذ من خلال توزُّع علاماته بنسب محددة بين نتيجة كل من الإمتحان الرسمي، وسجل تحصيله المدرسي الذي يتضمن إنجازاته في المدرسة، من خلال التنسيق بين إدارات المدارس ووزارة التربية.

التلقين والنخبوية المعكوسة
تدفع الامتحانات الرسمية إلى تهيئة التلامذة للتعامل مع ما يتطلّبه النجاح فقط، فتحفّز لديهم الذاكرة المعرفية المتعلقة بالحفظ والتذكر عبر اعتماد التلقين كطريقة تدريس مثالية. وينحو التلميذ إلى استقبال المعلومات وتخزينها وإيداعها في الذاكرة مؤقتاً (تعلّم بنكي) لاسترجاعها وتسليمها لاحقاً على كراسة الامتحان. ويعود السبب في ذلك إلى هيمنة النمطية على أسئلة الامتحانات الرسمية. إذ إنّ الغالبية العظمى من تلامذة الشهادات باتوا يركنون إلى حفظ أسئلة الدورات والإجابات عليها، وأي تغيير في النمط المعتمد ولو كان بسيطاً، يشكل صعوبة لديهم. كما أنّ غالبية المعلمين يتخذون من أسئلة الدورات منطلقاً لتدريس التلامذة محتوى المادة بهدف ضمان ورود ما يتعلق منها بأسئلة الامتحانات. فأول ما يجيب به التلميذ لدى سؤاله عن مسابقة الإمتحان: «هينة، متل الدورات السابقة»!. والمؤسف أنَّ بقاء بعض أعضاء اللجان في موقعهم لأكثر من عقد من الزمن، أسهم في تعزيز النمطية أكثر فأكثر، فيما لا تعطي أنظمة التصحيح المتبعة للمستويات العليا من تصنيف بلوم (تحليل، تركيب، تكوين كلي للموقف) الوزن اللازم في تقدير العلامات، إذ توزَع معظم العلامة على المعرفة فحسب.

تصنيف المدارس يجري في ضوء نتائج الامتحانات وعدد التقديرات


هذه النمطية أفضت الى إنتاج نخبوية معكوسة من التلامذة، إذ ينجح ويتفوق، في أغلب الأحيان، من اقتصر تعلمه على الحفظ والتذكر وليس التلميذ المبدع الذي يسعى خلف «التعلم المجدي». وهذا ما تظهر اثاره بسرعة عندما يتعثر كثير من التلامذة المتفوقين في الامتحانات الرسمية وبتقديرات مرتفعة في اجتياز امتحانات دخول جامعية. واكثر ما يظهر الخلل في تقويم المتعلمين عندنا، النتائج غير المرضية التي يحصّلها التلامذة في الاختبارات الدولية في الرياضيات والعلوم مثلTIMSS و PISA.

التمييز والإصطفاء والتسلط التربوي
لم يعد خافياً ما تقوم به الكثير من المدارس، خصوصاً الربحية منها، لضمان نسبة نجاح 100% وحيازة تقديرات تسمح لها بتعزيز دعايتها التجارية، اذ ترفض هذه المدارس تسجيل بعض تلامذتها في صفوف «الشهادات» إذا كان مجموع علاماتهم أدنى من المعدل الذي تفرضه الإدارة كشرط للالتحاق في هذه الصفوف، رغم أنّ التلميذ يكون قد تابع دراسته في هذه المدرسة منذ صف الحضانة. والعجيب في الأمر، أنّ المدرسة ذاتها تستقبل التلميذ نفسه في الصف الثانوي الأول بعيد نجاحه في الشهادة المتوسطة عبر مدرسة ثانية، وبصرف النظر عن مجموع العلامات الذي ناله. وتعد هذه الإجراءات من أبرز الانعكاسات السلبية للامتحانات الرسمية، باعتبارها نوعاً من التمييز والتسلط التربوي ومظهراً من مظاهر الاصطفاء والإقصاء والتفرقة التي لها تداعيات نفسية واجتماعية على المتعلمين، وقد يصل الأمر إلى تسربهم وخروجهم من النظام التعليمي برمته.
والأسوأ من ذلك، أن تصنيف المدارس يجري في ضوء نتائج الامتحانات وعدد التقديرات التي يحصّلها تلامذتها، ما يخلق نوعاً من التمييز المجتمعي بينها. والتصنيف بحسب نتائج التحصيل الكمي، وإغفال التقويم النوعي القائم على المهارات غير عادل وغير صادق. فلو اتيحت لنا الفرص لقياس بعض المهارات عبر مجموعتين من تلامذة مدرستين مختلفتين، الأولى تقديرها مرتفع في الامتحانات الرسمية، والثانية تقديرها مقبول. فهل ستكون النتائج متشابهة؟ الاحتمال الكبير كلا، وقد تكون مقلوبة لأنها نتيجة للنخبوية المعكوسة للتلامذة.

التسليع التربوي
تسهم الامتحانات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعزيز «التسليع التربوي» وتحويل التربية من رسالة إلى سلعة تجارية، يتم التسويق والترويج لها بأساليب متنوعة تظهر على لافتات الشوارع والإعلانات، فيتحول المعلّمون‬ ‬إلى «ماكينات» ‬لإنتاج التعليم المرتبط بالامتحانات، والتلامذة ‬إلى مستهلكين للمنتج التعليمي فقط.
التسليع في الامتحانات يتجلى من خلال وجوه عدة، تبدأ من استغلال بعض المدارس الربحية لصفوف الشهادات لتحقيق مكاسب مادية مرتفعة، مروراً بتفشي «معاهد التدريس الخصوصية» و«الدروس المنزلية الخاصة»، وانتشار لكتب المساعدة (Guides) التجارية التي تحاكي نمطية الأسئلة وطرق الإجابة عليها، بعدما خسر الكتاب المدرسي الرسمي ثقة التلامذة، إذ لم يعد يلامس مستوى الامتحانات الرسمية كما هي حال هذه «الكتب المساعدة»، خصوصاً أن عدداً من أعضاء لجان الامتحانات هم من مؤلفي ومعدّي هذه الكتب، ما يُضفي عليها «صدقية» أكبر بنظر التلامذة، ويدفعهم الى شرائها.

النزعة الفردية وتقويض المواهب
يدفع الإهتمام المفرط بالامتحانات غالبية المدارس الى إهمال الأنشطة التربوية في برامجها، إذ تستبدل حصص المواد الإجرائية والأنشطة اللاصفية والأنشطة العملية والاجتماعية بحصص مواد ذات صلة بالامتحانات الرسمية، وفي الصفوف السابقة لصف الشهادات، حتى أن بعض المدارس تستبدل منهاج صفّي الثامن والثاني ثانوي، بمنهاج صفوف الشهادات التي تليها. كذلك فإنّ فرض هيمنة الامتحانات الرسمية على بيئة المتعلم وربط نتائجها بالحكم المجتمعي على التلميذ لناحية نجاحه او فشله أو تميزه (أهل، اقارب، زملاء، مدرسين، جيران، الخ) جعل التلامذة يتوجسون خيفةً من نظرة المجتمع اليهم إن لم يكن مجموع علاماتهم على قدر التوقعات، فلم يعد همهم تقويم التعلم الذاتي ولحظ مدى تطور كفاياتهم وسعيهم وراء التعلم المجدي.
إصلاح المناهج هو المدخل الرئيسي لإصلاح التقويم والامتحانات الرسمية وانعكاس ذلك على إصلاح التعليم، لذلك اصبحت الحاجة ملحة لوضع استراتيجية وسياسة تربوية وطنية قابلة للتطبيق ومرتكزة على مناهج جديدة ومتطورة تتمحور حول التلميذ وحاجاته وميوله واهتماماته، وأن تكون في خدمة الفرد والمجتمع ، لا وسيلة يطوَّع في سبيلها التلامذة.
*باحث تربوي