«هؤلاء السرلنكيات صرن يصففن شعرهن مثل اللبنانيات»، يقولها سائق السيرفيس ساخراً من تسريحة شعر فتاة سمراء البشرة، ومنتظرًا ردًّا يمتدح ملحوظته «الذكية». هو، على أية حال، «ذكاء» لبناني معمّم. «ذكاء» من النوع الذي باتت معه «السرلنكية» مرادفة للعاملة المنزلية، فصار يُطلق «السرلنكية» أو «السرلنكية الحبشية» على كل صاحبة بشرة سمراء ولو كانت بنغلادشية مثلاً!

إلى التمييز العنصري والنظرة الفوقية، تعاني العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية في لبنان من عدم إنصاف قانوني، ومن الاستغلال منذ لحظة وصولهن عبر حجز جوازات سفرهن أو إجبارهن على العمل في غير ما يحدّده العقد الموقّع معهن وفي حجز أجورهن، ناهيك عن عدم احترام خصوصياتهن كاجبارهن على قصّ شعورهن، وتعرّضهن للضرب والتعذيب في الغالب على أيدي أصحاب كثير من مكاتب الاستقدام لـ«تربيتهن» أو «إقناعهن» بالعمل المفروض عليهن.
وجود هذه المكاتب، بالنسبة الى رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبدالله، «أمر مدان من أساسه لأن مكاتب الاستقدام وبعض الجمعيات التي تدّعي الدفاع عن حقوق العاملات تمارس استغلالًا بحقهن». ويسأل: «بعد أكثر من عشرين سنة، يطالب رئيس نقابة أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل بألّا يتقاضى المكتب أجور الأشهر الأولى من راتب العاملة! بأيّ حقّ كانوا أصلًا يتقاضونه طيلة هذه المدة؟!».

عقد العمل الموحّد
يستقدم لبنانيون كثر العاملات عن حاجةٍ فعليّة أو عن «ترف» و«بهورة». لكن الجميع، «المحتاجون» و«المُبهوِرون»، يتعاملون مع العاملة كأحد مقتنيات المنزل مما يمكن التصرف فيه أو «إعارته» للجيران أو الأقارب. علماً أن عقد العمل الموحّد الذي أقرّته وزارة العمل عام 2009 ينصّ على عدم جواز تشغيل الفريق الثاني (العاملة) في غير مكان إقامة الفريق الأول (رب العمل)، وعدم جواز تشغيلها في غير ما استقدمت من أجله. كما أن لها الحق بغرفة لائقة لإقامتها وبـ15 يوماً إجازة سنوية، ونهار راحة في الأسبوع، وأن تحظى بـ 8 ساعات من النوم أقلّه وألا تعمل ما يفوق الـ «عشر ساعات متهاودة يوميًّا».
والحال أن شوائب كثيرة تعتري هذا العقد. أولها عدم احترامه من أصحاب مكاتب الإستقدام، وعدم إطلاع هؤلاء ــــ باستثناء قلة قليلة من المكاتب ــــ العاملات على كل هذه «التفاصيل». كما ان صيغة العقد بالعربية وليست باللغة الأم للعاملة، وتغيب عنه الدقة في بعض المسائل. فهو، مثلًا، يحدّد حق العاملة في «تأمين شروط وظروف العمل اللائق وتوفير حاجاته من مأكل وملبس وإقامة تُحترم فيها كرامة الفريق الثاني (العاملة) وحقه في الخصوصية» من دون أن يتوسّع في مفهوم الإقامة التي تحترم الكرامة والخصوصيّة (هل النوم في المطبخ هو كذلك!).

كاسترو عبدالله: وجود مكاتب الاستقدام مدان من أساسه والحل بتفعيل تنظيم المؤسسة الوطنية للاستخدام


وهو «عقد إذعان» غير قابل للتفاوض فإمّا يُقبل أو يُرفض وبالتالي فيه غبن تجاه العاملة. ويوضح مدير مكتب وزارة العمل في طرابلس مرعب شديد أن عاملات المنازل لا يخضعن لقانون العمل بل لـ«العقد شريعة المتعاقدين»، وبالتالي ليس من صلاحيات وزارة العمل أن تمارس رقابةً قانونية على مدى تطبيق العقد. ويشير الى أن العقد ينص على أنه «في حال حصول نزاع بين طرفي العقد، يمكن عرضه على وزارة العمل لتسويته وديًّا»، ويرى أنّ «هذه الفكرة غير واضحة وتحتمل النقاش. إذ ليس من صلاحية وزارة العمل النظر في النزاع. والخلاف هو هل يخضع الطرفان للمحاكم العادية أم لمحكمة العمل التي تعنى بتطبيق قانون العمل علماً أن العاملات لا يخضعن له؟».
الحل، بحسب كاسترو عبدالله هو أن يتم تنظيم العمالة الأجنبية «عبر المؤسسة الوطنية للاستخدام حصرًا، وليس عبر مافيات المكاتب»، ويوضح: «هذه المؤسسة يمكن أن تضمن للعاملة حقّها في رفض أي عمل لا ترتاح فيه، وفي الوقت نفسه لا تكبّد الشخص الذي تعمل لحسابه أي خسائر ماديّة. لكن، للأسف، دورها هُمّش لصالح أصحاب المكاتب». ويشدّد عبدالله على أنه بوجود أكثر من 250000 عامل وعاملة في لبنان هناك ضرورة لتأسيس نقابة لهم، لافتاً الى أن الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين قدّم طلبًا إلى وزارة العمل منذ ثلاث سنوات، «لم يتمّ رفضه أو قبوله حتّى الآن، حاله حال طلبات أخرى لم تبتّ منذ السبعينيات».