يختلف المشهد كثيراً بين ساحة ساسين وكرم الزيتون. يصبح أكثر غرابة كلما «توغّلت» أكثر داخل زواريب الكرم. هنا، لا يعود الاختلاف محصوراً بين الحي وخارجه، بل أيضاً بين الكرم «الفوقا» والكرم «التحتا»، كما يعرّف عنهما الساكنون هناك. أما القاسم المشترك بين «الكرمين»، فهو الوجوه التي تعبر الطريق كل يوم، مختصرة طابور الانتظار في ساحة ساسين.


الكرم «الفوقا»

اعتاد سكان هذا الشارع مشهد الزحمة التي تتسلّل إليه من الساحة الكبرى. مع ذلك، لا يتأفّفون كثيراً. فهذا فأل حسن للبائعين، لعلّه يجلب لهم بعض الزبائن. المحال هنا لا تشبه محال الساحة. هي، بالطبع، أكثر تواضعاً، وتتشارك المساحة نفسها التي لا تتعدى الثلاثين متراً مربعاً. في ظل الوضع المعيشي الصعب الذي يعانيه معظم أهالي المنطقة، يدرس التجار أسعار بضاعتهم. هكذا، مثلاً، سيجد المارّ أمام بعض محال الألبسة، التي تكثر هناك، أسعاراً تتراوح بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألف ليرة. رغم ذلك، المحال فارغة إلا من أصحابها الواقفين عند «باب رزقهم». وحدها الدكاكين يدخلها الناس. وستجد منها الكثير في الكرم، فيما لن تجد «سوبر ماركت» واحداً.

الكرم «التحتا»

كلما اقتربت من كرم الزيتون، تتغير معالم الحياة. تبدأ بالتلاشي. الفقر يعشش في الأزقة الضيقة التي لا تزال تحمل ذكريات الحرب الأهلية. عند نهاية كل مفرق، درج يقود إلى «قاع» الكرم. ليس هناك ما يميّز هذا القاع إلا وجوه الساكنين فيه، فغالبيتهم من كبار السن. لا شباب كثراً هناك. جلّهم غادر الكرم بحثاً عن مستقبلٍ أفضل خارجه. ثمة فسحة وحيدة قد تجد فيها فتياناً لم يكبروا كفاية كي يخرجوا، وهي ملعب كرة القدم الذي يجتمعون فيه بعد انتهاء دوام المدرسة. على جانبيه، وعلى أرصفة الأزقة الضيقة، سيارات قديمة مركونة غير مستخدمة في معظمها. لا حرمة للمنازل هنا، و«البيوت مش أسرار». العابر أمام المنازل يمكنه رؤية ما في داخلها، المفتوح تماماً على مَن خارجها.

من خلف منضدة الزجاج التي تتوسط محله ــــ والذي لم يدخله أحد طوال جلستنا ــــ يشير ابراهيم جبور بإصبعه إلى البيوت المتلاصقة، ويقول: «كلو كان هون شجر زيتون وتين وصنوبر». أما اليوم، فقد «اختفى كل شيء، لم يبق إلا شجرتي زيتون»!
تعود به الذاكرة الى أيام كان فيها الكرم «حلو. أقرب إلى القرية، حيث البيوت بطابق واحد، وأمام كل بيت بستان صغير». بعد تلك «الحقبة»، جاء سليم جبور، والده، وبدأ بإعمار الكرم، «فظهرت أبنية من طابقين بمساحة لا تتعدى السبعين متراً مربعاً». لم يحدث التغيّر دفعة واحدة. كانت تنشأ بيوت جديدة كلما دعت الحاجة، إلى أن صار الكرم اليوم مجرّد أبنية متلاصقة بلا زيتون.
«شعبياً، بيفكروا كرم الزيتون هو الشارع التحتاني»، يقول جبور.


لا يزال الكرم يفتح
أبوابه لكل طارق لكن كثرة الآتين الجدد أوجدت مشاكل جديدة
ولكن كرم الزيتون أكبر من ذلك بكثير. تبدأ حدوده من كنيسة السيدة نزولاً نحو الكورنيش، وتحدّه منطقة السيوفي التي تعتبر عقارياً جزءاً منه، حتى حدود البدوي. أما سكانه الأصليون، فمعظمهم من اللبنانيين الذين نزحوا من المناطق الجنوبية، إلى آخرين من جبل لبنان والشمال، وصولاً إلى... أنطاكيا. خلق هذا النزوح تنوعاً عقائدياً، فـ«الطوائف كلها موجودة في الكرم»، يعلّق جبور. وللناجين من المجازر التركية في حق الأرمن مكان أيضاً هنا. ينقل جبور عن والده أنّه «خلال تلك الفترة، حصلت كل عائلة أرمنية على قطعة أرض بمساحة 60 متراً مربعاً»، فأصبح السكان المنتمون إلى الطائفة الأرمنية جزءاً من تاريخ الكرم ومن عائلاته الأصلية، ومنها: جبور وماركريان وحداد وفرحات والخوري وغلام وفلوطي وغيرها. وهو، حتى اليوم، يفتح بابه لنازحين جدد، يتعايشون بسهولة مع سكانه: «الكرم كلو بيعيش الفرح متل ما بيعيش المصيبة»، يقول جبور.
العلاقة الوطيدة بين السكان تنسحب أيضاً على التجار في السوق الذي كان يعرف بالسوق الشعبي للأشرفية. وكان يضمّ أكثر من ستين محل «سمانة» تتعامل مع الموزع عينه. يقول جبور: «كل واحد كان ياكل رزقتو. كانت المنافسة شريفة». وإلى محال «السمانة»، كانت تأتي نحو 150 عربة خضار «من الجنوب تحديداً وتبقى من السادسة صباحاً حتى الثالثة من بعد الظهر، إلى أن تنفد بضاعتها».
هناك مصالح اختفت مع تطور متطلبات الحياة، كالأفران القديمة التي كانت تؤمن الخبز لسكان الحي والأحياء المجاورة، ومحال تصليح «بوابير الكاز». مع ذلك، «بقي التعايش»، بحسب جبور، حتى في غمرة الحروب التي مرت على لبنان، «لم تشوه الاختلافات السياسية العلاقة. صحيح كانت الزكزكات موجودة، بس ولا مرة وصلت لحد الضرب». وكغيرها من المناطق التي عاشت الحرب «قدمت كرم الزيتون دماً، كما نزح منها الكثير من سكانها». وفي كل حرب، كان لها حصة. مع ذلك، كان سكانها يعيدون ترميم حياتهم مع انتهاء آخر جولة. يفتخر جبور بأن في الكرم مؤسسات تعليمية «محترمة»، منها فرع لكلية إدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية، وهي التي بنيت على أنقاض جزء من الكنيسة الإنجيلية التي صارت أصغر حجماً، ومدرسة الناصرة التابعة لإرسالية أميركية، إضافة إلى عدد من المدارس المهمة كمدرسة السيدة ومدرسة العازارية.
في الكرم كنائس كثيرة، منها ما يتخطى الثمانين من العمر ككنيسة الأرمن، وأخرى مضى على إنشائها نحو أربعين عاماً ككنيسة مار بطرس وبولس. الأخيرة تُنسب لحي السيوفي، لكن أهل الكرم يعرفون أنها كانت تابعة لحيّهم في الأصل.

حديقة «بكعب النزلة القوية»

وسط الشارع الرئيسي لكرم الزيتون، يقع مكتب المختار رافي ماركاريان. أمامه، مباشرةً، طريق يقود إلى كرم الزيتون التحتا حيث «المعيشة كتير عاطلة». يتحدّث المختار عن المنطقة بحسرة، ويعود سنواتٍ كثيرة إلى الوراء، ليعيد نسج المشاكل التي راكمت فقراً، وكانت سبباً في هجرة أبنائه، وفي رسم صورة نمطية للمنطقة، «لن تُمحى بسهولة، ألصقت بها تجارة المخدرات والدعارة والزعرنات».
صحيح أن هذه الصورة لم تعد موجودة اليوم، لكنها لا تزال راسخة في اللاوعي. صورة الكرم اليوم: سكان «غالبيتهم من المسنّين ممن يتكلون على أبنائهم الذين غادروا الكرم بحثاً عن لقمة العيش خارجه». هاجر أبناؤهم لأن «لا مجال للاستثمار ولا مكان للمؤسسات أو الشركات التي بإمكانها تأمين وظائف لهم»، ولأن ثمة صعوبة في العيش.
مع ذلك «لا يزال الكرم يفتح أبوابه لكل طارق». لكن كثرة الآتين الجدد أوجدت مشاكل جديدة. الطلب على السكن أثار جشع بعض أصحاب المساكن، فرفعوا الإيجارات التي كانت لا تزال تعتبر «مرحومة» مقارنةً مع المناطق المحيطة. يضاف إلى الكثافة السكانية غياب خدمات المياه والكهرباء. خدمات يمرّ على انقطاعها 3 أشهرٍ متواصلة في بعض الأحيان، ومنها «المياه مثلاً»، يقول ماركاريان. يتساءل: «لماذا تنقطع المياه في الكرم ولا تنقطع من جهة ساحة ساسين؟». سؤال ليس محيّراً في الغالب، لكن الدولة غائبة إجمالاً. مع ذلك، يضع المختار أحد احتمالين لهذا الانقطاع: «إما أن الدولة، ممثلة بشركة مياه بيروت، غير قادرة على مواجهة مافيات المياه أو أنها لا تريد القيام بواجباتها».
السكان هنا لا يكلّون عن المطالبة بحقّهم، إلا أنه ما من أحد يجيب. ينتظرون موسم الانتخابات، علّهم يحصّلون شيئاً من حقوقهم البديهية. في هذا الموسم، «تكفت» زيارات المرشّحين، «وإلا ما تزبط». لكن، نادراً ما يحصل ذلك. يقول المختار: «نواب المنطقة ما بيعرفونا إلا وقت الانتخابات، قبل كم شهر بيجوا بيعملوا مهرجان بالكرم وشو بدكن رح يصير». وبعد احتلالهم كرسياً في المجلس النيابي يختفون دفعة واحدة «وما حدا بيعرف حدا». آخر «إنجازات» النواب، التي أتت على خلفية انتخابية، افتتاح الوزير ميشال فرعون حديقة كرم الزيتون. الحديقة نفسها كان مقرراً إنجازها قبل عشرين عاماً. وهي تقع «بكعب نزلة قوية»، والمعروف أن معظم سكان المنطقة كبار في السن. وهنا يسأل ماركاريان «إذا نزلوا هول بيرجعوا يقدروا يطلعوا؟». يلفت المختار الى أن بعض «الشخصيات» تقدّم «مشكورة خدمات كالأدوية ومساعدات للمدارس. بس الناس مش لازم تلجأ للمساعدات وإنما للدولة». أما العلاقة مع بلدية بيروت فليست أفضل حالاً. «صفر شغل». بصعوبة، يحاول ماركاريان تذكّر أي إنجاز بلدي. تسعفه الذاكرة بعملين هما «كل ما فعلته على أيامي»: الأول إعادة تحسين درجات السلّم من خلال «وضع مسكات حديد لتسهيل تنقل العجزة». والثاني «إنذار أصحاب المحال التجارية بإزالة البرادات الموضوعة على الرصيف وإلا فسيترتب على المخالف دفع غرامة تصل إلى مليون ليرة لبنانية»!
قانوناً، يحق للبلدية اتخاذ خطوة مماثلة. ولكن واقعياً قد يكون من الأجدى البحث عما يمكن أن يحسّن عيش سكان المنطقة «قبل البحث في أمور الرصيف».
«الفقر بيوجّع». يختم ماركاريان. لكن، ما يوجع أكثر هو ترك الدولة مواطنيها ليتدبروا أمر قوتهم يوماً بيوم.