كان العقار الذي بني عليه قصر أسعد الأسعد النقطة الأقرب إلى بيروت بالنسبة إلى سكان الضاحية الجنوبية. لأسباب لها علاقة بـ«الزعامة»، اتخذ شارع حسن كنج اسم أسعد الأسعد، وهذا سببٌ أول لنشأة الشارع. سببٌ ثانٍ: بعدما نزح أهالي البقاع وبعلبك والجنوب إلى الضاحية، صاروا يجتمعون ويتلاقون في فسحة إلى أحد جوانب القصر (الذي بيع في ما بعد عدة مرات).


هكذا صار المكان محطة لركوب «البوسطة» أو السيارات المتجهة إلى الجنوب والبقاع، بحسب مختار منطقة الشياح أسعد كنج. لكن، تغيّرت الأحوال. الشارع لم يبق على حاله. مساحة كبيرة منه كانت عبارة عن أراض زراعية، يزرع فيها البقدونس والفجل وبعض الأنواع الأساسية من الخضر، يبيع أصحابها المحاصيل ويعتاشون من خلال المردود الذي تؤمنه. في الحقيقة، لم يبق من شارع الأسعد في الشياح سوى القليل. ومن هذا القليل: اسمه.

إلى أي درجة تغيرت حال أهل شارع أسعد الأسعد المادية، وكيف امتلكوا ذهنية تشجعهم على اللجوء إلى المصارف بهذه السرعة؟



ولّت أيام الـ«وان دولار»

خلال فترة الحرب الأهلية، كان الشارع خط تماس يمتلئ بالمتاريس التي شهدت على رمايات القنص المتبادلة. يمكن القول إنه، منذ نهاية الحرب في أوائل التسعينيات، ينقسم تاريخ الشارع إلى مرحلتين.
الأولى التي كان لا بد منها، هي مرحلة النهوض وإعادة الحياة إلى الشارع بعدما كانت معدومة، عبر بعض المحال التي بدأت تبيع الحاجات الأساسية جداً للناس. سكان الشارع القدامى يتذكرون سناك «عز الدين» الذي فتح أبوابه مباشرة بعد انتهاء الحرب، وكان مشهوراً بسندويش البطاطا الذي يقدمه. في تلك الفترة، درجت موضة محال الـ«وان دولار» التي كانت قد بدأت بالانتشار في الضاحية الجنوبية، ولاقت نجاحاً كبيراً في ذلك الوقت. محال السمانة، أو الدكاكين، التي كانت موجودة قبل الحرب وتعطّلت بفعل الحرب، عادت أيضاً وإن بصخب أقل. من معالم الشارع أيضاً، مدرسة الغندور الرسمية التي تم ترميمها. في مطلع التسعينيات، أكمل الشارع نهوضه، وتمركزت فيه عربات لبيع الحلويات العربية والكعك. ملاحظة لطيفة يقولها حلاق الحي: كان مقصوداً من قبل عدد من سكان عين الرمانة في السنوات الأولى من انتهاء الحرب. جاؤوا سريعاً ولم ينتظروا التفاهمات والتحالفات. يعرفون الطريق أكثر من الجميع.
المرحلة الثانية ــــ المستمرة حتى الآن ــــ تشير بوضوح إلى أن «مجتمع أسعد الأسعد» مجتمع خصب لدراسة أثر التطور الرأسمالي في شارع شعبي بالضواحي. نتحدث عن تغيّر كبير في ما يخص المشاريع الضخمة، أو التي يمكن تصنيفها على هذا النحو في الضواحي أو على الأطراف. نتحدث عن انتشار المصارف والمراكز التجارية الكبيرة، ومحال الثياب التي لم تعد تكتفي بالصناعة المحلية، واتجهت نحو الاستيراد، من تركيا تحديداً، إضافة إلى إعادة تصنيف المتطلبات بين أساسية وكمالية من جديد. إحداث تغير دراماتيكي في وقت قياسي كهذا يستدعي توقفاً عنده.

تطور عمودي في الحي الأفقي

الجديد في الأمر أنه، منذ ثلاث أو أربع سنوات، تواجه أبنية هذا الشارع القديمة، نسبياً، عمليات هدم بهدف إنشاء أخرى جديدة، من ذلك النوع العملاق الذي يفترض القيّمون عليه أنه ذو مظهر أكثر إبهاراً وحداثة. ما يعرفه سكان الضاحية عن ضاحيتهم، أن ما ميّز الشيّاح لفترة طويلة هو مبانيها التي لا تناطح السماء، ولا تبالغ في عدد طبقاتها. لطالما شعر الناس هناك بأن هذا يجعل الحي أليفاً. لكن، بعد استطلاع الآراء في الشارع، لا مفر من الاعتراف بأن هذا النوع من المباني قد يمثل عامل جذب للناس، لأنه يستوعب عدداً أكبر منهم، وهذا هم أساسي في الفترة الحالية. وقد يضيف القيّمون في آرائهم شروحاً عن مواصفات لا يمكن شرحها إلا باستخدام لغة أجنبية، وذلك سعياً من أصحاب هذه المشاريع لإبهار الناس مجدداً. المحصلة أن حجم الشارع بدأ يتقلّص أيضاً.
كان هناك مبنى وديع بمحاذاة محطة البنزين المعروفة في شارع الأسعد، استكان في قاعدته فرن ومحل يبيع العصير. المحلان كانا يشكلان عنصرين أساسيين من المشهد في نظر السكان، ووجودهما بمحاذاة بعضهما البعض مألوف جداً. لكن بعدما اتخذ القرار بالهدم، ما حدث هو الآتي: استأجر صاحب الفرن محلاً صغيراً في مبنى مجاور، وانتقل محل العصير إلى بناية أخرى في الشارع، إلى محل أصغر أيضاً. سلخ واحدهما عن الآخر، واقتلع المبنى من الشارع.
لا يمكن للمار من أمام المصرف إلا وأن يتفحصه من الداخل حتى ولو كان يمر من أمامه كل يو

أما الذين يهمّهم المشهد والمدينة، فلهم الله. الشارع الذي اعتاد سكانه شراء مناقيش الزعتر والخضر، والكنافة بالجبن، في أيام اللولو، أصبح فيه مصرفان من أهم المصارف، والنشاط فيهما يلفت النظر. السؤال هو: إلى أي درجة تغيرت حال أهل شارع أسعد الأسعد المادية، وكيف امتلكوا ذهنية تشجعهم على اللجوء إلى المصارف بهذه السرعة؟ ربما تغيّرت. لكن إلى حدٍ كبير؟ علينا أن لا نغفل هنا أن المصارف لا تقوم بنقلاتها على نحوٍ عبثي. تدرس وتخطط، ثم تنتقل إلى شارعٍ ما، ثم تنقل إليه الحياة معها. وبالإمكان مراجعة تجربة بدارو، في سياقٍ متصل بهذه النقطة تحديداً. المصارف تأتي بالجديد دائماً معها.

إلى يمين البنك...

مشهدياً، يمكن وضع كل ما تغير في هذا الشارع في كفة، والمصرفان في كفة أخرى. وجودهما لا يزال مستغرباً حتى الآن. المصارف التي تمركزت في شارع الأسعد أبهرت سكانه، الذين كانوا قد أصبحوا ضحايا لدعايات المصارف. والدعاية نوعان. مباشرة بدأت تبثها الشاشات من جهة، وأخرى غير مباشرة تبين للفرد أهمية امتلاك حساب مصرفي من جهة أخرى. نتحدث عن كل ما يحث على الاستهلاك.

تخيّلوا مثلاً محلاً يبيع الأدوات الكهربائية، أو معارض السيارات، أو كل هؤلاء الذين يعملون في خدمة المصارف، إذ يسهل التعامل معك عند امتلاك حساب مصرفي بهدف «التقسيط»، وكله بهدف راحة المواطن طبعاً، عدا عن «البرستيج» الذي ينتج من اقتناء بطاقة حساب مصرفي آنذاك.
في شارع الأسعد، الشعبي، مصرفان ضخمان بعمارة مهيبة وموظفات يرتدين تنانير أنيقة، ويتحدثن بالإنكليزية. المصارف تصير معلماً بسرعة. فإذا أردت طلب أي شيء «أونلاين» مثلاً، أو أردت أن تدل عامل الديليفري إلى منزلك في الشارع، عليك أن تقول مقابل «البنك» أو المفرق الذي إلى يمين «البنك»، وسيستدل القادم بسهولةٍ تامة. استهلاك باستهلاك.
أهل الشارع، عموماً، يهتمون بالموضة خاصةً الملابس التركية التي يُدفع ثمنها بسخاء

الديليفري والتسوق أونلاين، والمصرف طبعاً. لا يمكن للمار من أمام المصرف إلا أن يتفحصه من الداخل حتى ولو كان يمر من أمامه كل يوم. اختيار شارع أسعد الأسعد دوناً عن باقي الشوارع لإنشاء مصرفين ليس اعتباطياً، وأحد أهم الأسباب التي تقف وراء ذلك هو سهولة جذب فئة لم تسمح لها الظروف بخوض عمليات الإيداع وسحب القروض، وبالتالي فإن واقع وجود مصرف قرب البيت يمثل مغامرة تستحق التجربة.
لا يمكن إنكار حقيقة أن امتلاك حساب في المصرف ضروري اليوم لأسباب عدة، لذلك، يثير وجود المصرف في شارع الأسعد (الذي من المفترض أنه شعبي) الاستغراب أقل من وجود منشآت أخرى مثّلت بدورها تحولاً في هوية الشارع وطبائع أهلهِ. شارع أسعد الأسعد هو نموذج عن غالبية الشوارع التي كانت تتخذ طابعاً شعبياً ليتغير في ما بعد. في الشارع، يمكن رؤية مدرسة تعلم فيها العديد من أهالي الحي في طفولتهم، وقد تحولت إلى موقفٍ للسيارات.




أثر البطالة المقّنعة

عدد لا يستهان به من شبان شارع الأسعد يقضون نهارهم ــ وليلهم غالباً ــ في الشارع. الأكل من المطعم هو النشاط الأبرز بالنسبة إليهم، أو لأي أحد يقضي يومه في الشارع. يأكلون ويدخنون السجائر والأراكيل ويضحكون بصوت عالٍ، وتقول أمهاتهم إنهم «يملأون الحي بحركتهم». أما بالنسبة إلى الشابات، فإنهن لا يتخذن من الشارع بيتاً ثانياً كما الشبان بسبب الأعراف والقوانين التي حددتها بيئة الشارع الذكورية. وهذه أشياء مألوفة في الضواحي، ويتشاركها سكان أسعد الأسعد مع أقرانهم في الضواحي.





أحذية Justin Bieber

أهل الشارع، عموماً، يهتمون بالموضة. الملابس التركية التي يُدفع ثمنها بسخاء لأنها تركية، وغير محلية، الأحذية الأوروبية أيضاً Trendy، وكذلك الابتعاد عن محلات «البالة» شيئاً فشيئاً. أي موضة جديدة تنتشر على إنستاغرام، إن كان لها علاقة بالـ«ميك آب» أو بالأزياء، فإنها لا تستغرق أكثر من يومين لتراها «لايف» في شارع الأسعد، كالـ «contouring» وأحذية المدعو جاستن بيبر السنة الماضية. هناك متابعة دائمة من قبل الشبان كما الشابات لأحدث صيحات الموضة، فما كان يمكن أن يقال عمن يلبس «تيشرت» أو قميصاً وردياً، لم يعد يقال اليوم. الشارع يتغيّر.





فيلادلفيا وأشياء أخرى

في شارع الأسعد اليوم، أحد المطاعم المميزة نسبياً، ذات الجدران البيضاء اللامعة من الخارج والداخل. ويعمل فيه موظفون يلبسون زياً موحداً، ويضعون أكياساً في رؤوسهم من أجل معايير النظافة. ولا يمكن نسيان لافتته الكبيرة التي تحمل اسم المطعم، بالإنكليزية. بعدما كان المحل الذي يقدم «سندويشات المشاوي» هو الوجهة ليدلل الشخص نفسه وعائلته، أصبح يملك فرعاً في شارع «بلس» مسؤولاً عن تأدية هذا الدور. الراشدون قبل الشبان يتهافتون على «البرغر» و«الفيلادلفيا» و«الستيك». الطاووق ليس على الموضة، ولكن طبعاً كل شيء يصل إلى البيت من خلال خدمة التوصيل. المطعم في نشاط دائم، وكراسيه غير المريحة لا تخلو من الزبائن.