على صحن «تسقيّة» في أحد مطاعم الفول في ساحة المَيسات الدمشقيَّة، قبل خمسة عشر عاماً، تعاهَد مهران وصديق طفولته كِنان ألا يفارقا بعضهما مهما حصل، ولا يسمحا حتى للدراسة بالفصل بينهما، واتفقا أنَّ ذلك لن يكون إلا باختيارهما الاختصاص الجامعي نفسه الذي سيضمن لهما العمل في المهنة ذاتها مستقبلاً. ولكن مهران فشل في إقناع صديقه بالمشروع الذي رسَمَته له أسرته منذ ولادته حتى حُفِرَ في ذهنه حفراً وصار حلمه الأوحد، وهو دراسة الحقوق ثمَّ الانتساب إلى كليَّة الشرطة ليكون ضابط شرطة ذا مهابة واحترام. فكِنان لديه حلم آخر هو الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحيَّة والتحوّل إلى ممثل. ولما كان لمهران الفتى شغفٌ كبير بالفن وإن لم يتمكَّن بعد من تلمّسه بوضوح وإدراك هويَّته والإمساك بتفاصيله، فقد راقته الفكرة إلى حدّ التنازل عن حلمه الأصلي، ليجد طريقه إلى التمثيل بعد فترة وجيزة ويصبح اليوم واحداً من النجوم الشباب في سوريا. المفارقة أنَّ صديقه كِنان هو اليوم ضابط شرطة!

الفتى في القصَّة أعلاه هو الممثل السوري مهران نعمو الذي لم ينتظر الدراسة في المعهد لتحقيق حلمه، فبعد أشهر قليلة من جلسة «التسقيّة»، وقبل أن يحصل حتى على شهادة البكالوريا، كان واقفاً بمواجهة الفنّان بسام كوسا في مشهده التلفزيونيّ الأوَّل مع المخرج بسّام الملا الذي اختاره لتأدية دور الفتى فهد في الجزء الأوَّل من مسلسل «باب الحارة» الشهير (كتابة مروان قاووق وكمال مرّة/ 2006). ومع توالي أجزاء المسلسل، وازدياد عدد شخصيَّاته إلى حدّ تعجز معه ذاكرة المشاهد عن الإحاطة بها، لم يجد صنّاع العمل مشكلة في إسناد أدوار مختلفة له في الأجزاء اللاحقة (ضابط في الجزء الخامس، وعاصم في الجزءين الثامن والتاسع)، ولكنّ حصوله على فرصته باكراً لم يدفعه إلى التخلي عن حلم الدراسة في المعهد العالي الذي تخرَّج منه في العام 2014 مشاركًا في العرض المسرحي «هستيريا» (تأليف وإخراج الفنان جهاد سعد) كمشروع تخرَّج للدفعة التي ضمَّته إلى ولاء عزام ومي السليم وآخرين، بحضور المخرج محمد عبد العزيز، ليحصل بعدها على أدوار لم تلبِّ طموحه بالكامل في مسلسلات عدة أبرزها «عناية مشدَّدة» (كتابة علي وجيه ويامن حجلي وإخراج أحمد ابراهيم أحمد/ 2015) و«نبتدي منين الحكاية» (كتابة فادي قوشقجي وإخراج سيف سبيعي/ 2016) و«لستُ جارية» (كتابة فتح الله عمر وإخراج ناجي طعمي/ 2017).
فمع التحوّل في هموم شركات الإنتاج وظروفها بعد العام 2011 وتضاؤل الفرص التي يحظى بها الخرّيجون تبعاً لتراجع الإنتاج، كان على مهران الانتظار حتى العام 2019 ليحصل على الفرصة التي ستشكّل انطلاقته الفعليَّة من خلال دور «صبحي» في مسلسل «عندما تشيخ الذئاب» (كتابة حازم سليمان عن رواية لجمال ناجي، وإخراج عامر فهد)، وصبحي شاب طيّب ضعيف الشخصيَّة بتأثير من تربية والدته التي تبالغ في حرصها عليه فتوقعه تحت سيطرتها، يتعرَّض للاستغلال من الشيخ عبد الحميد الجنزير (سلوم حداد) وعزمي (أنس طيّارة)، وبعد ضغوط كثيرة يرزح تحت وطأتها يفكّر في الانتحار.
أمَّا التحوّل النوعي في مسيرة نعمو، فسيكون في شخصيَّة «القاق» في مسلسل «شارع شيكاغو» (كتابة ورشة كتّاب عن قصَّة لمحمد عبد العزيز ومن إخراجه/ 2020)، والقاق هي الشخصيَّة الكوميديَّة التي كسرت حدَّة الحدث الدرامي في المسلسل القائم على الإثارة والتشويق ربطاً بانكشاف خيوط جريمة قتل المغنيَّة ميرامار (سلاف فواخرجي) في ستينات القرن الماضي، بعد عقود على حصول الجريمة، وتعود الشخصيَّة لصاحب صندوق فرجة مدمن على الكحول، يجذب الأطفال إلى بضاعته عبر إغرائهم بمشاهدة «عنتر وعبلة» وهو الإسم المشفَّر للصور الإباحيَّة التي يسمح لهم بمشاهدتها سرّاً لقاء قروش قليلة تكفي لتسديد ثمن زجاجة مشروب في واحدة من الخمَّارات العديدة في الشارع الشهير، ولكن طموحه الذي سيتجاوز لاحقاً الحصول على حاجته من الكحول سيودي به إلى نهاية لا تشبه شخصيته الكوميديَّة في شيء.
ويرى نعمو في حديث مع «الأخبار» أنَّه لا يمكن فصل نجاح شخصيَّة القاق عن نجاح العمل ككل، حيث كان منطق «الورشة» حاضراً في كل تفاصيله. وإن كان قد أعطى للشخصيَّة هويَّتها بجهده الشخصي وعمل على إحيائها بطريقته الخاصَّة من الزي إلى تسريحة الشعر وصولًا إلى اللكنة والمفردات غير الموجودة أصلاً في النص والتي تكرّرها الشخصيَّة باستمرار مثل «باتاتا» و«أباب»، فإنَّه يعيد الفضل في ذلك إلى العقليَّة المنفتحة للمخرج محمد عبد العزيز الذي يستمع إلى الممثل ويحاوره حول كيفيَّة تقديم الشخصيَّة بعيداً عن الفرض والإملاء، معتبراً أنَّه لطالما كان محظوظاً بالمخرجين الذين أُتيح له الوقوف أمام كاميرتهم وفي طليعتهم عامر فهد الذي يدين له بالكثير ويذكر له تعامله الاحترافي والمميّز مع الجميع، وباسل الخطيب الذي يصفه بـ «المُريح» لكل من يعمل معه بفضل تعاطيه الإيجابي مع الجميع (وقد عمل معه بدور حفّار قبور في مسلسل «حارس القدس» عن سيرة المطران هيلاريون كبوجي)، وأخيراً محمد عبد العزيز صاحب الفضل الأكبر عليه والإيمان المطلق بموهبته منذ شاهده في مشروع تخرّجه قبل سنوات، فضلاً عن المخرج المنفّذ في «شارع شيكاغو» حسام سلامة.
ويعتبر نعمو أنَّ «شارع شيكاغو» مَدين بنجاحه لكل من شارك فيه، وعلى رأسهم عبد العزيز الذي يحمل طاقة حبّ كبيرة كفيلة بإنجاح أيّ عمل، ويستغرب الانتقادات التي واجهت المسلسل، معتبراً أنَّ الجرأة فيه ليست بالمعنى السلبي الذي ذهب إليه بعض الذين تابعوه باهتمام وانتقدوه بقسوة! ويرى أنَّ كل المشاهد التي جرى انتقادها مبرَّرة درامياً، وأنَّ من الطبيعي أن تتسق تفاصيل المسلسل مع طبيعة المكان الذي تدور فيه أحداثه وهو شارع مليء بالخمّارات والملاهي الليليَّة وتكثر فيه المشاكل.
وبخلاف «شارع شيكاغو» الذي سيحظى بفرصة العرض الثاني على عدد من المحطات في شهر رمضان («الشبكة الوطنيَّة للإرسال» و«لنا» و«منصة وياك»)، سيغيب نعمو عن الموسم الرمضاني هذا العام، حيث صرَّحَ لـ«الأخبار» أنَّه تلقى عروضًا للمشاركة في عدد من الأعمال ولكن الأدوار الممنوحة له لم تكن بالسويَّة التي يتمنّاها في ظل القاعدة التي وضعها لنفسه «إن لم تتمكَّن من التقدّم خطوة إلى الأمام، حافظ على المكان الذي وصلت إليه»