ككل عام تنطلق مهرجانات الصيف في لبنان، مع ما تحمله من نهضة ثقافية وفنية، وزخم اجتماعي واقتصادي، وأبعاد تنموية. مواعيد ابداعية لبنانية وعربية وعالمية، تعيد الى لبنان تألقه كموئل للابداع، ودوره كمحجة ثقافية، ومعقل للصناعات الفنية والابداعيّة، وسوق لها. ننسى أحياناً أن ننظر الى القطاعات الثقافية بصفتها «صناعة» أيضاً، والى هذه المناسبات والمواعيد بصفتها مجالاً خصباً للتنمية الجهويّة والوطنيّة، وفرص عمل، ونشاط مربح للمستثمرين المحليين في مختلف المجالات. بدءاً من السياحة طبعاً… وصولاً إلى مختلف القطاعات والمهن والاختصاصات والخدمات التي يحتاجها انتاج العمل الفنّي ليتكوّن ويصل إلى الناس، والتي تشركها المهرجانات في دورتها الاقتصاديّة.

نظرة أولية إلى أسماء الفرق والنجوم هذا الموسم، من بيت الدين إلى بعلبك، ومن جبيل إلى إهدن، ومن الزوق وجونية والبترون إلى صيدا وصور… تجعلنا نشعر بالرضى، ونتحمّس لتشكيل برنامجنا الخاص هذا الصيف، ولرسم خريطة «سياحتنا الثقافيّة» بين المناطق اللبنانيّة. ومع ذلك، فمن واجبنا اليوم أن نطلق صيحات تحذير، وندق جرس الانذار. ذلك أن معظم هذه المهرجانات، خصوصاً الكبرى منها، تعاني من أزمات وضغوطات مادية انعكست هذا الموسم كمّاً ونوعاً على البرمجة، وعلى المستوى. لا ينفع أن نجانب الحقيقة ونعصب أعيننا ونجمّل الواقع. خلال سنوات قليلة انحدر المستوى، وانحصرت الخيارات، والأسباب سياسية وأمنية بنسبة معيّنة، لكنّها ماليّة قبل كل شيء! لا نقول أننا نشهد انحداراً في النوعية، وفي الأسماء المشاركة... لم نصل بعد إلى هذا الدرك لحسن الحظ، ونأمل ألا نعرفه آبداً. بقليل من الخبرة والمهارة والشطارة، والحلول السحرية، والبحث عن البدائل في الواقع الللبناني، نجحت المهرجانات الأساسيّة في انقاذ الموقف، وفي الالتفاف على الأزمة. لكن إلى متى يمكنها أن تعمل باللحم الحي؟ إن مسؤولية منع التراجع والاهيار تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة اللبنانيّة، فهي المولجة بالحفاظ على هذه الثروة الوطنيّة. وهي المطالبة بحماية هذا المرفق الحيوي والحضاري الذي يصنع فرادة لبنان، ويشرّع آفاقنا ويربطنا بالعصر، بل يجعلنا في قلب العالم اليوم كواحدة من حواضر الموسيقى والأغنية والاستعراض في العالم.
لا ينبغي أن يكون المرء خبيراً متمرساً، ولا متخصصاً، ولا مطلعاً على خفايا الكواليس، كي يستشف بوادر أزمة جديّة تواجه مهرجانات الصيف في لبنان. نتحدّث طبعاً عن المهرجانات الكبرى التي تراعي معايير فنية وتقنية عالية، في اختيار العروض وتقديمها. هذه الأزمة محاصرة حتّى الآن، لكنّها قد تتفاقم في السنوات المقبلة، وتؤدي إلى تعطيل بعض المهرجانات، أو أرغامها على تنازلات فنية كبرى، وبالتالي الى انحدار المستوى الذي طالما تميزت به هذه الاحتفاليات العربية والدولية منذ اكثر من نصف قرن. تلك المدن والبلدات والقرى والمواقع الأثريّة، استضافت منذ عقود وحتى الأمس القريب اكبر الاسماء في عالم الموسيقى والغناء والاستعراض والباليه والاغنية والمسرح... وبين الخمسينيات والسبعينيات تحديداً، خلق بعض تلك الاعمال صدمة في الثقافة اللبنانية، وأثر أمثال موريس بيجار وجيرزي غروتوفسكي والمسرح الحي وكثيرون غيرهم على الحركة الابداعية المحلية. فماذا عن يومنا الراهن؟
الجمهور ما زال على نهمه، مستعد لتلبية النداء، ولبنان ما زال وجهة سحرية للفرق الكبرى والنجوم العالميين، رغم ازمات المنطقة. ما الذي حدث اذاً كي تضمر البرامج، وتختفي الخيارات الاولى لتنوب عنها حلول عملية مقبولة ولكن...؟ برغم الدعم والمساعدات، من قبل القطاعين الخاص والعام، ورعاية الدولة، يمكن أن نختصر الأزمة كالآتي. بدلاً من حفنة المهرجانات المعروفة التي كانت تتقاسم المساعدات والدعم، هناك في لبنان اليوم ١٦٠ «مهرجاناً» حسبما يردد وزير السياحة. ومعظم هذه المناسبات مصرّ على الصفة «الدولية». والجميع يطلب دعم وزارة السياحة، والوزارة لا تملك سياسة أو رؤيا للأسف، بل تتصرّف «على البركة»، كما انها لا تملك معايير واضح لتصنيف المهرجانات، حسب تاريخها وانجازاتها ومكانتها وأهميّة الموقع الجغرافي وسياسة البرمجة والاداء والمعايير التقنية والفنية… وجاءت سياسة التقشّف التي اعتمدتها الحكومة لتزيد الأمور سوءاً. طبعاً وزارة الثقافة امكاناتها قليلة، ما يجعل مساندتها رمزية ومعنويّة. وهذا الشحّ قد يتسبب بموت مهرجانات كبرى، أو تراجع مستواها، فيما الوزارة ضائعة بين المناسبات الترفيهية المختلفة في المناطق. ثم تأتي المصاعب الاقتصادية لترغم القطاع الخاص على خفض ميزانياته لدعم الفن والثقافة. لكن الطامة الكبرى هي العبء المالي المتزايد الذي تفرضه الدولة على المهرجانات، من خلال ضرائب ورسوم تثقل كاهلها وتجعلها عاجزة عن المبادرات الكبرى، وتقديم النوعيّة، واستقدام الاعمال العالمية.
ماذا نقول أكثر؟ سنبتهج هذا الصيف، من دون أن ندفن رأسنا في الرمال. لكن، على الدولة اللبنانيّة أن تضع على قائمة أولوياتها حماية هذا القطاع، لئلا يكون الصيف الأخير… قبل بداية الانهيار.