تتوجّه «مهرجانات بيت الدين» إلى كل الأعمار والعائلات بدعوتها فرقة «سيرك إيلوييز» التي تقدّم «سيركوبوليس» على مدى ثلاثة أيّام 9، و10، و11 آب (أغسطس). ليست المرّة الأولى التي تزور فيها الفرقة الكنديّة لبنان، إذ قدمت عام 2004 إلى بيت الدين أيضاً مع عملها «نوماد». كما كل فرق السيرك العالميّة التي تسعى للوصول إلى أكبر عدد من الناس والشعوب، معتمدة على لغة حركيّة مشتركة تسهّل لها هذه المهمّة، فإن الفرقة زارت بلداناً عربيّة كثيرة من بينها الأردن، والسعوديّة بداية هذه السنة، مسجّلة سابقة هناك كونها الفرقة الأولى التي يُسمح لها بالعرض بوجود نساء على الخشبة!

من «سيركوبوليس»

يعود تاريخ الفرقة إلى ما قبل الانفتاح السعودي المفاجئ بسنوات، حيث أسّستها مجموعة من الأصدقاء عام 1993 في مونتريال، المدينة نفسها التي قدّمت إحدى أشهر الفرق في هذا المجال وهي «سيرك الشمس» عام 1984. يعدّ «سيركوبوليس» (2013) واحداً من عروض الفرقة الستّة التي تعمل فيها على تحديث وتطوير فنون السيرك بالاستناد إلى ثيمة محدّدة. بالطبع، تتخلّى رؤية الفرقة عن مشاركة الحيوانات، بعدما أثبت أن تعنيف هذه الكائنات هو وسيلة البشر الوحيدة لجعلها تؤدي ما تؤديه أمام الناس. لا تخضع العروض كذلك لقصّة متسلسلة أو حبكة دراميّة، بقدر ما تسعى إلى إنجاز مشاهد بصريّة جمالية متحرّكة، إذ تبنى ضمن مناخات واحدة تجمع فيها عناصر وأنماط فنيّة مختلفة مثل الرقص والموسيقى وألعاب الخفّة والحركات الأكروباتيّة ضمن قالب مسرحي شامل. هكذا استوحت عرضها «صالون» من إيقاعات الفولك وأجواء الويسترن الأميركية كما قدّمتها هوليوود، فيما أنجزت حكاية قراصنة خرافيّة في Nezha حول فتاة يتيمة عالقة بمفردها على جزيرة. أما ID فقد استند إلى رقصات البرايك دانس والهيب هوب.
يستلهم العرض فيلم فريتز لانغ، وملصقات الاتحاد السوفياتي الدعائية


اختارت الفرقة عنوان عرضها «سيركوبوليس» من فيلم المخرج الألماني فريتز لانغ «متروبوليس» (1927) الذي تجري أحداثه في مدينة صناعية متخيّلة تحت الأرض تسمّى متروبوليس. يضع «سيرك إيلوييز» العرض ضمن الإطار نفسه، لكنه يفتح نافذة فانتازية وسط أصوات الآلات والمصانع الصلفة. نافذة «سيركوبوليس» مصنوعة من الرقص والموسيقى والفنون الأدائية والجسمانية. أما المدينة، فيصعب تمييز ما إذا كانت مدينة معاصرة أو إحدى المدن الصناعية في مطلع القرن العشرين. إنها مدينة مجهولة على أي حال. تنبت فيها ناطحات السحاب والماكينات الحديدية. وفي مكاتبها الداخليّة تتكدّس الأوراق، حيث العمل لا ينتهي ويثقل كاهل الموظّف الجالس إلى طاولته. إلى جانب فيلم الخيال العلمي للانغ، فإن الفضاء الرمادي الحديدي الذي يشكّل خلفيّة العمل (تصميم فيديو: روبير ماسيكوت وألكسيس لورنس) مستوحى أيضاً من مرجعيات بصرية وسينمائية متعدّدة مثل أفلام تشارلي تشابلن الصامتة وملصقات الاتحاد السوفياتي الدعائية.

من «سيركوبوليس»

لكن أعضاء «سيرك إيلوييز» سرعان ما سيقلبون هذه المشاهد المونوتونية رأساً على عقب. على الخشبة 12 راقصاً ومؤدياً. يدخلون بالمعاطف الطويلة والقبعات الداكنة لإكمال المشهد المتوقّع فحسب. كل شيء يسير كما يفترض أن يفعل في مدينة دؤوبة كهذه، حيث همّ الإنتاجيّة يتفوّق على أي همّ آخر. يعرف المؤدون جيداً كيف يسرقون لحظات المرح من دورة العمل البيروقراطيّة. ستبدأ الألوان باختراق المشهد، واقعيّاً لا مجازيّاً؛ الأحمر والأصفر والأزرق. يتوزّع الراقصون والمؤدون والمهرّجون على الخشبة، يقومون بقفزات تحبس الأنفاس، ويمشون على الحبال. كل منهم يؤدي حركات استعراضية فرديّة أو جماعيّة. يلجأون إلى كل أنواع السيرك والألعاب البهلوانية والأكروباتيّة مثل الدواليب والعجلات، والعواميد والترابيز والحبال والديابولو، وغيرها من الفنون الآتية من خلفيات ثقافية متعدّدة مثل الصين واليابان وألمانيا وبلدان أخرى من تلك التي تحويها الفرقة، إذ تضم أعضاء من اليابان وسويسرا وكندا. في العرض الذي أخرجه مدير الفرقة جينو بينشو، وصمّم رقصاته دايف سان بيار، تذوب مهارات السيرك في قالب مسرحي وراقص معاصر، يصعب فيه تمييز الخيالي من الواقعي. يحمل المؤدون الخشبة على أكتافهم لحوالى 90 دقيقة في لحظات ساحرة ومسروقة من وقت العمل. «سيركوبوليس» الذي جاب مدناً كثيرة منذ إطلاقه عام 2013، يقترح اللهو والمرح لمواجهة ضغط العمل القاسي، آفة المجتمعات المعاصرة التي تعتصر البشر وقدراتهم على الابتكار.


نديم أصفر: دعوة للتأمل
بالتعاون مع «غاليري تانيت»، تحاول «مهرجانات بيت الدين» احتواء التجارب اللبنانية المعاصرة عبر دعوتها معرضاً بصرياً لنديم أصفر (1976). بين 12 تموز (يوليو) و15 آب (أغسطس)، يعرض الفنان اللبناني مشروعه الفوتوغرافي «أنتهي أنا حيث تبدأ أنت» الذي كان ضمن الأعمال اللبنانية المشاركة في الدورة الأولى من «بينالي الجنوب» (البينالي الدولي للفنون المعاصرة في أميركا اللاتينية). أصفر الذي عمل في الفيديو والتصوير الفوتوغرافي، ينطلق هذه المرّة من البحث والتنقيب في الطبقات التي منها تتشكّل مساحات البلاد الطبيعية. على مدى عامين، صوّر مناطق متعدّدة من جبال لبنان، مثل جبال القبيات ووادي قنوبين وجبل المكمل ووادي قزحيا. ضمن توجّه بصري جمالي وشاعري التقط لها صوراً في الليل والنهار، محاولاً الإجابة عن بعض الأسئلة منها: مم تتألف هذه الجبال؟ وما هي السرديات التي تكتنزها هذه الأماكن؟ هكذا تبدو صوره الفوتوغرافية دعوة للتأمل في هذه الأماكن والتضاريس المألوفة التي تغطي مساحة واسعة من جغرافيّة البلاد حيث «كل شيء له معنى، كل شي في انسجام، الدمار، النباتات، الجيولوجيا...».